المتاجرة بـ “البراءة”.. عندما تُسقط منصات التواصل قناع الإنسانية من أجل “اللايك”….
#المحور24
في زمن تحولت فيه “المشاهدات” إلى عملة رقمية تُباع وتُشترى، يبدو أن بورصة القيم الإنسانية قد أعلنت إفلاسها لدى البعض. الحادثة الأخيرة التي هزت منصات التواصل الاجتماعي، والمتمثلة في مسارعة عدد من الصفحات إلى نشر وتداول مقطع فيديو يوثق تعاطي طفل قاصر للكحول رفقة أشخاص بالغين، لم تكن مجرد سقطة إعلامية، بل كانت تعرياً كاملاً لمنظومة الوعي والمسؤولية الأخلاقية والقانونية لدى صناع المحتوى والصفحات “الاسترزاقية”.
هذا الواقع الصادم يضعنا أمام أسئلة حارقة تتجاوز حدود الواقعة نفسها لتلامس عمق أزمتنا القيمية: أين العقل والمنطق في تشويه صورة طفل قاصر؟ وكيف تحولت معاناة الطفولة وجريمة البالغين إلى مادة دسمة للاستثمار الرقمي؟
إن الجريمة الأولى والأساسية في هذا المشهد مركبة؛ يقترفها أولاً بالغون مجردون من الإنسانية والمسؤولية، قاموا بتقديم مادة سامة ومُذهبة للعقل لطفل لا يدرك مصلحته، بل ووثقوا ذلك في تعدٍّ صارخ على حقوق الطفل وحمايته الجسدية والنفسية.
لكن الجريمة الثانية، والتي لا تقل بشاعة، هي تلك التي ارتكبتها الصفحات الفايسبوكية والمنصات الرقمية التي تلقفت الفيديو. بدل أن يكون هذا المقطع دليلاً يُقدم للجهات الأمنية المختصة لفتح تحقيق وإنقاذ الطفل ومعاقبة الجناة، تحول إلى “وليمة رقمية”. لقد تم التعامل مع وجه الطفل القاصر ومعاناته كـ “سلعة” لجلب التفاعل، وزيادة عدد المتابعين، وبالتالي تحقيق الربح المادي (الاسترزاق) على حساب كرامته ومستقبله.
من الناحية التحليلية، تكشف هذه الواقعة عن اختلالات بنيوية خطيرة في تعامل المجتمع الرقمي مع الأزمات الإنسانية:
غياب الحس النقدي والمنطق: المنطق السليم يقتضي أن حماية القاصر مقدمة على كل شيء. نشر الفيديو دون حجب وجه الطفل (Floutage) هو مشاركة فعلية في الجريمة. فالبالغون سيعاقبون قانوناً، لكن الطفل سيحمل وصمة عار مجتمعية ونفسية ترافق طفولته ومستقبله بسبب انتشار وجهه على الهواتف والشاشات.
ثقافة “البوز” والأنانية الرقمية: تحرك هذه الصفحات رغبة جامحة في السبق الصحفي المزيف. العقل هنا يغيب، وتحل محله غريزة حصد “اللايكات”، حيث تصبح الفضيحة مادة للاستهلاك اليومي، وتتحول مأساة الطفل إلى مجرد “محتوى” يمر عليه المتابع لثوانٍ ثم ينساه، بينما يدفع الضحية الثمن طوال حياته.
الاسترزاق بمعاناة الآخرين: إن تحويل الجرائم الأسرية أو المجتمعية إلى مواد ترفيهية أو إخبارية تجارية هو قمة السقوط الأخلاقي. إنه استثمار في الألم، وإعادة إنتاج للمأساة بدلاً من المساهمة في حلها.
إن ما حدث ليس مجرد خطأ تواصل، بل هو ضرب في الصميم للاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل، والقوانين الوطنية التي تجرم نشر صور القاصرين وتشويه سمعتهم أو تعريضهم للخطر. إن “العقل والمنطق” يفرضان اليوم تفعيل المساءلة القانونية ليس فقط في حق البالغين الذين ظهروا في الفيديو، بل أيضاً في حق كل صاحب صفحة ساهم في نشر وتوزيع هذا المحتوى المسيء دون مراعاة لخصوصية الطفل.
إن حماية الطفولة ليست مسؤولية أمنية أو قضائية فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية تبدأ من الشاشة التي بين أيدينا. إن التضامن الحقيقي مع الطفل الضحية لا يكون بـ “مشاركة” الفضيحة وإعادة نشرها بحجة الاستنكار، بل بتبليغ السلطات، ومقاطعة الصفحات التي تقتات على مآسي القاصرين، والوقوف سداً منيعاً أمام تحويل براءة الأطفال إلى وقود لمحركات البحث وأرصدة البنوك الرقمية.