المديرية العامة للأمن الوطني سبعة عقود من التضحية والإخلاص…
#المحور24
الأستاذ عبد الصادق مشموم يكتب : المديرية العامة للأمن الوطني سبعة عقود من التضحية والإخلاص للملك والوطن
تحل الذكرى السبعون لتأسيس المديرية العامة للأمن الوطني باعتبارها مناسبة وطنية تتجاوز بعدها الاحتفالي، لتفتح المجال أمام قراءة عميقة لمسار مؤسسة ارتبط تاريخها بتاريخ الدولة المغربية الحديثة نفسها. فمنذ السنوات الأولى للاستقلال، تشكل الأمن الوطني كأحد الأعمدة المركزية في بناء الدولة وترسيخ السيادة وحماية الاستقرار العام، في مرحلة كانت فيها المملكة تواجه تحديات إعادة بناء المؤسسات، وتوحيد المجال الوطني، وإرساء سلطة القانون.
لم يكن تأسيس المؤسسة الأمنية سنة 1956 مجرد إحداث جهاز إداري يُعنى بحفظ النظام العام، وإنما كان تعبيرًا عن وعي الدولة الحديثة بأهمية الأمن باعتباره شرطًا لقيام المؤسسات واستمرارها. فالدولة الخارجة من مرحلة الاستعمار كانت مطالبة ببناء إدارة وطنية قادرة على فرض هيبة القانون، وتأمين المجال العام، وضمان الاستقرار الضروري لمباشرة مشاريع البناء السياسي والاقتصادي والاجتماعي. ومن هذا المنطلق، ارتبط الأمن في التجربة المغربية منذ البداية بمفهوم الدولة في بعدها السيادي، أكثر مما ارتبط بالمقاربة التقنية الضيقة المرتبطة بالتدخل والزجر.
وخلال العقود الأولى بعد الاستقلال، اشتغلت المؤسسة الأمنية داخل سياق سياسي واجتماعي معقد، تميز بتحولات كبرى عرفها المغرب على مستوى بناء السلطة وتدبير التوازنات الداخلية. وقد فرضت تلك المرحلة على الدولة تطوير أجهزتها الأمنية بما يضمن حماية المؤسسات واستقرار المجال العام، في ظل رهانات سياسية وإيديولوجية متشابكة. غير أن تطور الدولة المغربية لاحقًا، وما عرفته من إصلاحات دستورية وحقوقية ومؤسساتية، انعكس بشكل تدريجي على طبيعة العقيدة الأمنية ووظائفها، لينتقل مفهوم الأمن من منطق الضبط التقليدي إلى تصور أكثر ارتباطًا بالحكامة الأمنية ودولة المؤسسات.
ومع التحولات الدولية المتسارعة التي عرفها العالم منذ نهاية القرن العشرين، تغيرت طبيعة التهديدات الأمنية بشكل جذري. فالجريمة المنظمة العابرة للحدود، والإرهاب الدولي، والهجرة غير النظامية، والتهديدات السيبرانية، أعادت صياغة مفهوم الأمن في مختلف دول العالم، بما فيها المغرب. وأصبح واضحًا أن حماية الاستقرار لم تعد مرتبطة فقط بحفظ النظام في معناه التقليدي، وإنما بامتلاك القدرة على تدبير المخاطر المعقدة والمتغيرة ضمن رؤية استراتيجية شاملة.
وقد شكلت أحداث السادس عشر من ماي 2003 محطة مفصلية في تاريخ المنظومة الأمنية المغربية، لأنها دفعت نحو إعادة بناء العقيدة الأمنية على أسس جديدة تقوم على الاستباق، والتنسيق المؤسساتي، وتطوير القدرات الاستخباراتية. فالهجمات الإرهابية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء لم تكن مجرد حادث أمني معزول، وإنما كشفت طبيعة التحولات التي مست مفهوم التهديد في العالم المعاصر، حيث أصبح الإرهاب عابرا للحدود وقادرا على استغلال الهشاشة الاجتماعية والتحولات الرقمية والشبكات الدولية المعقدة.
في هذا السياق، انتقل المغرب إلى بناء نموذج أمني قائم على المقاربة الاستباقية، وهي المقاربة التي مكنت الأجهزة الأمنية المغربية من تحقيق نتائج مهمة في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف. فقد استطاعت المصالح الأمنية، عبر تراكم الخبرة وتطوير آليات الرصد والتحليل والتنسيق، تفكيك العديد من الخلايا الإرهابية وإحباط مشاريع تخريبية خطيرة كانت تستهدف أمن المملكة واستقرارها. كما أظهرت التجربة المغربية أن مواجهة التطرف لا يمكن أن تتم عبر المقاربة الأمنية الصرفة، وإنما من خلال رؤية شمولية تدمج البعد الديني والتنموي والتأطيري، بما يعزز مناعة المجتمع ضد مختلف أشكال التطرف والانغلاق.
وفي موازاة ذلك، شهدت المؤسسة الأمنية المغربية تحولا عميقا على مستوى التحديث التكنولوجي والرقمي. فقد أصبحت التكنولوجيا جزءا مركزيا من العمل الأمني المعاصر، سواء في مجالات التحليل الاستخباراتي أو تدبير المعطيات أو مراقبة التهديدات الرقمية. كما ساهمت الرقمنة في تطوير الخدمات الأمنية وتقريب الإدارة من المواطنين، الأمر الذي يعكس انتقال المؤسسة الأمنية نحو نموذج حديث يقوم على الفعالية والسرعة وجودة الخدمة العمومية.
هذا التحول ارتبط أيضا بتطور مفهوم العلاقة بين المؤسسة الأمنية والمجتمع. فالأمن في الدولة الحديثة لم يعد يقاس فقط بمدى القدرة على فرض النظام، وإنما أيضا بمدى قدرة المؤسسة الأمنية على بناء الثقة مع المواطنين وتعزيز الشعور الجماعي بالأمان. ومن هنا برز مفهوم الشرطة المواطنة باعتباره جزءا من التحولات التي عرفتها المنظومة الأمنية المغربية، من خلال تحديث فضاءات الاستقبال، وتطوير شرطة القرب، وتحسين آليات التواصل مع المرتفقين.
كما أن العلاقة بين الأمن والتنمية أصبحت من القضايا المركزية في فهم التحولات التي عرفتها الدولة المغربية خلال العقود الأخيرة. فالتنمية، في معناها الشامل، لا يمكن أن تتحقق في غياب الاستقرار. ومن هذا المنطلق، أصبح الأمن جزءا من البيئة الضرورية لجذب الاستثمار، وتنشيط الاقتصاد، وتأمين الأوراش الكبرى التي تعرفها المملكة. فالمشاريع الاستراتيجية، والبنيات التحتية الكبرى، والتظاهرات الدولية، كلها رهانات ترتبط بقدرة الدولة على توفير مناخ آمن ومستقر. كما أن الاستقرار الذي راكمه المغرب وسط محيط إقليمي مضطرب شكل أحد عناصر قوته الاقتصادية والسياسية، وساهم في تعزيز صورته كفضاء للاستثمار والثقة والاستقرار المؤسساتي.
غير أن التحول الأبرز في التجربة الأمنية المغربية خلال العقود الأخيرة يتمثل في انتقال الأمن الوطني من دائرة التدبير الداخلي إلى مجال التأثير الاستراتيجي الخارجي. فالمغرب أصبح اليوم فاعلا أساسيا في مجال التعاون الأمني الدولي، مستندا إلى ما راكمه من خبرة في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. وقد جعل هذا التطور من المؤسسة الأمنية المغربية أحد مكونات الحضور الاستراتيجي للمملكة على المستوى الإقليمي والدولي.
وفي هذا الإطار، برز ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الأمنية المغربية، حيث تحول التعاون الأمني إلى أداة من أدوات السياسة الخارجية للمملكة. فالشراكات الأمنية التي تربط المغرب بعدد من الدول لم تعد مجرد آليات تقنية لتبادل المعلومات، وإنما أصبحت تعبيرًا عن موقع المغرب كشريك موثوق في إنتاج الاستقرار الإقليمي والدولي. كما أن الإشادة الدولية المتواصلة بالكفاءة الأمنية المغربية تعكس حجم الثقة التي بات يحظى بها النموذج الأمني الوطني في عالم تتزايد فيه التهديدات المعقدة والمتغيرة.
وتتجلى أهمية هذا التحول بشكل أوضح في ظل الاستعدادات التي تعرفها المملكة لاحتضان تظاهرات دولية كبرى، وعلى رأسها كأس العالم 2030، حيث أصبح البعد الأمني جزءا أساسيا من صورة الدول وقدرتها على تنظيم الفضاءات الكبرى وتأمينها. فنجاح المغرب في هذا الرهان لا يرتبط فقط بالبنيات التحتية أو الجوانب التنظيمية، وإنما أيضا بامتلاكه منظومة أمنية حديثة قادرة على تدبير المخاطر وفق المعايير الدولية.
إن سبعة عقود من تاريخ الأمن الوطني ليست مجرد مسار إداري لمؤسسة عمومية، وإنما هي جزء من تاريخ الدولة المغربية في سعيها المستمر نحو بناء الاستقرار وترسيخ المؤسسات وحماية السيادة الوطنية. فمن حفظ النظام العام في مرحلة بناء الدولة بعد الاستقلال، إلى ممارسة أدوار متقدمة في مكافحة الإرهاب والتعاون الأمني الدولي، يعكس تطور المؤسسة الأمنية، في العمق، مسار تطور المغرب نفسه وتحولاته السياسية والمؤسساتية والاستراتيجية.
وبقدر ما تختزل هذه الذكرى تاريخا طويلا من التضحيات والانضباط والالتزام، فإنها تعكس أيضا قدرة الدولة المغربية على تطوير مؤسساتها الأمنية بما ينسجم مع التحولات الوطنية والدولية، في عالم أصبح فيه الأمن أحد أبرز محددات قوة الدول ومكانتها الاستراتيجية.
وبهذه المناسبة الوطنية، لا يسعنا إلا أن نتقدم بأصدق عبارات التهنئة والتقدير إلى كافة نساء ورجال الأمن الوطني، الذين ظلوا، على امتداد سبعة عقود، يجسدون قيم الانضباط والتضحية والإخلاص في خدمة الملك والوطن. فخلف استقرار الدول تقف تضحيات صامتة، وخلف أمن المجتمعات يقف رجال ونساء اختاروا أن يجعلوا من حماية الوطن رسالة يومية تتجاوز حدود الوظيفة إلى معنى الواجب الوطني.
كما تشكل هذه الذكرى مناسبة لاستحضار حجم التضحيات الجسيمة التي قدمها شهداء الواجب من مختلف التشكيلات الأمنية، والذين سقطوا دفاعا عن أمن الوطن واستقرار المواطنين، في مواجهة الإرهاب والجريمة وكل التهديدات التي تستهدف سلامة الدولة والمجتمع. وهي أيضا لحظة اعتراف جماعي بالمجهودات الكبيرة التي تبذلها المؤسسة الأمنية المغربية، قيادة وأطرا وعناصر، في سبيل ترسيخ الأمن وتعزيز صورة المغرب كدولة للاستقرار والمؤسسات.