فاجعة “قصبة طاطا”: أنياب الكلاب الضالة تغتال حلم العيد.. ومسؤولية “الجماعات والجمعيات” تحت المجهر
طاطا – تقرير #المحور24
تحولت رحلة صلة رحم كان يُفترض أن تُختتم ببهجة عيد الأضحى، إلى مأساة حقيقية هزّت إقليم طاطا، بعدما لقي رجل مسن مصرعه إثر تعرضه لهجوم وحشي من طرف قطيع يضم نحو 30 كلباً ضالاً بوادي قصبة طاطا. الحادثة لم تكن مجرد قضاء وقدر، بل أعادت إلى الواجهة نقاشاً ساخناً حول تقصير المجالس المنتخبة وتأثير “البروباغندا” الحِمائية لبعض جمعيات الرفق بالحيوان على حساب سلامة البشر.
وفقاً لشهادات حزينة ومؤثرة أدلى بها نجل الضحية، فإنه عاد إلى مسقط رأسه بإقليم طاطا لقضاء عطلة العيد وإدخال الفرحة على والديه الطاعنين في السن. وفي غمرة الاستعدادات، توجه الأب صوب المستوصف المحلي عبر مسلك محاذٍ للوادي، لينقضّ عليهم قطيع هائج مكون من قرابة ثلاثين كلباً.
لكن عزلة المنطقة وغياب المارة حال دون وصول أي نجدة، ليتفرد القطيع بالرجل الكهل، محولاً صرخات استغاثته إلى صمت أبدي بعدما نهشت الكلاب جسده بدقائق معدودة، مخلفةً وراءها عائلة مكلومة وحرقة فراق لا تندمل.
تتجاوز هذه الحادثة حدود “الخبر الفاجع” لتطرح إشكالات بنيوية وقانونية وحقوقية معقدة في المغرب، يمكن تفكيكها إلى شقين أساسيين:
1. مسؤولية المجالس الجماعية (تفعيل القانون الغائب)
قانوناً، تقع مسؤولية حفظ الصحة العامة وسلامة المواطنين داخل النفوذ الترابي للجماعات على عاتق رؤساء المجالس الجماعية (وفق مقتضيات القوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات). ظاهرة انتشار الكلاب الضالة في النقط السوداء والمناطق الشبه معزولة بطاطا وغيرها، تعكس ضعفاً واضحاً في التدابير الاستباقية، وغياباً لآليات المراقبة، وفشلاً في احتواء تكاثر هذه الحيوانات التي تحولت بفعل الجوع إلى “وحوش مفترسة” تهدد الحق الإنساني الأسمى: الحق في الحياة.
2. معادلة “حياة الإنسان” مقابل “حقوق الحيوان”
توجّه عائلة الضحية والشارع المحلي بأصابع الاتهام مباشرة إلى بعض جمعيات الرفق بالحيوان، التي يرى الكثيرون أنها تفرض أجندات وضغوطاً تمنع السلطات من تحييد خطر الكلاب الضالة عبر الوسائل التقليدية (كالـقنص)، مقابل الترويج لحلول بديلة مثل (التعقيم والتلقيح TNR).
لكن الواقع الميداني أثبت فشل أو بطء هذه الحلول البديلة؛ فتكلفة تعقيم وإيواء مئات الآلاف من الكلاب تفوق ميزانيات الجماعات الترابية بمرور السنوات. وهنا يبرز الخلل التحليلي: هل أصبحت حياة إنسان كهل جاء ليفرح بالعيد، أرخص في بورصة “الحقوق” من كلب ضال هائج؟ إن المبالغة في الدفاع عن الحيوان دون توفير بدائل آمنة وواقعية لحماية البشر تحول الإنسانية إلى شعار أجوف يحصد الأرواح.
إن فاجعة طاطا يجب ألا تمر كغيرها من الفواجع؛ فهي جرس إنذار أخير لكل المسؤولين. إن دماء هذا الأب الكهل تطالب بمراجعة جذرية للمقاربة المعتمدة في تدبير ملف الكلاب الضالة بالمغرب.
المطلوب اليوم ليس تبادل التهم بين الجماعات والجمعيات، بل التزام حازم وصارم:
أولاً: تحرك ميداني فوري لإخلاء النقاط السوداء والمناطق المحاذية للتجمعات السكنية والمستوصفات والمدارس من هذه القطعان.
ثانياً: تفعيل حقيقي لربط المسؤولية بالمحاسبة، حتى يعلم كل مسؤول جماعي أن إهمال طوق أمان المواطنين قد يضعه خلف القضبان بتهمة التقصير المؤدي إلى الوفاة.
رحم الله فقيد طاطا، وألهم ذويه الصبر والسلوان، ولعل دمائه تكون سبباً في إنقاذ أرواح أخرى ما زالت تسير في طرقات غير آمنة.