تغيير في الخارطة الصناعية الإفريقية و المغرب يزيح جنوب إفريقيا ويتربع على عرش التصنيع الإفريقي
#المحور24 ، الرباط | القسم الاقتصادي
في تحول تاريخي يعيد رسم الخارطة الاقتصادية للقارة الإفريقية، تمكنت المملكة المغربية وللمرة الأولى من انتزاع صدارة “مؤشر التصنيع الإفريقي”، ملقيةً بجنوب إفريقيا إلى المركز الثاني بعد هيمنة مطلقة ومستمرة لهذه الأخيرة على العرش الصناعي للقارة منذ عام 2010.
حملت الأرقام الأخيرة للمؤشر دلالات رقمية شديدة الحساسية؛ حيث تربع المغرب في المركز الأول برصيد 0.8415 نقطة، متفوقاً بفارق ضئيل ولكن حاسم على جنوب إفريقيا التي تراجعت للمركز الثاني برصيد 0.8396 نقطة. وفي سياق التنافس الإقليمي، جاءت مصر في المرتبة الثالثة، تليها تونس رابعاً، في حين تموقعت الجزائر في مركز متأخر قاريّاً.
فكيف تحول “المستحيل” إلى واقع اقتصادي؟
إن إزاحة عملاق اقتصادي بحجم جنوب إفريقيا – التي طالما اعتبرت القوة الصناعية الأولى والتقليدية في القارة – لم يكن وليد الصدفة، بل هو ثمرة رؤية إستراتيجية امتدت لأكثر من عقدين. ويمكن تفكيك هذا الإنجاز من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
1. الرهان على الصناعات عالية القيمة (السيارات والطيران)
بينما ظلت العديد من القوى الاقتصادية الإفريقية رهينة لتقلبات أسعار المواد الخام والنفط، اختار المغرب إستراتيجية “التصنيع المتنوع”. تحولت المملكة في السنوات الأخيرة إلى قطب عالمي لصناعة السيارات (بإنتاج يتجاوز مئات الآلاف من المركبات سنوياً) وصناعة أجزاء الطائرات، مما رفع من القيمة المضافة لصادراته ووفر بيئة جاذبة للشركات متعددة الجنسيات.
2. البنية التحتية اللوجستيكية كرافعة بنيوية
شكلت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية، وعلى رأسها مركب ميناء طنجة المتوسط (الأكبر في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط)، وشبكات الطرق السيّارة، والقطار فائق السرعة “البراق”، شريان الحياة الذي ربط المصانع المغربية بالأسواق العالمية (خاصة الأوروبية والأمريكية) بسرعة وكفاءة قياسية.
3. الاستقرار السياسي والمناخ الجاذب للاستثمار
عزز المغرب جاذبيته الاستثمارية من خلال “ميثاق الاستثمار الجديد” وتقديم تحفيزات ضريبية وتمويلية هامة للمستثمرين الأجانب، مستفيداً من مناخ الاستقرار السياسي والأمني الذي تنعم به المملكة، وهو ما افتقدته بعض الدول المنافسة التي عانت من اضطرابات هيكلية أو أزمات طاقة (مثل أزمة الكهرباء المزمنة التي أثرت سلباً على الإنتاج الصناعي في جنوب إفريقيا).
إن اعتلاء المغرب لصدارة المؤشر الصناعي لا يمثل مجرد “انتصار رقمي”، بل هو شهادة اعتماد دولية تعزز موقع المملكة كـ “بوابة إستراتيجية” للاستثمارات العالمية نحو إفريقيا، وكمنصة إنتاجية رئيسية لأسواق أوروبا والعالم.
ومع ذلك، يضع هذا الإنجاز الجديد تحديات إضافية على عاتق صناع القرار الاقتصادي في الرباط؛ أبرزها الحفاظ على هذه الصدارة من خلال:
– تسريع وتيرة الانتقال نحو الطاقات النظيفة في القطاع الصناعي لمواكبة الشروط البيئية الدولية (مثل الكربون الحدودي الأوروبي).
– تعميق “الاندماج المحلي” عبر دعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة المغربية لتصبح جزءاً من سلاسل التوريد العالمية.
– الاستثمار المكثف في الرأس المال البشري والبحث العلمي لابتكار حلول تكنولوجية محليّة الصنع.
و خِتاماً، يعلن هذا التحول رسمياً عن ولادة “نموذج تنموي إفريقي جديد” يقوده المغرب؛ نموذج يثبت أن الرؤية الإستراتيجية، وتطوير البنية التحتية، وتنويع الشركاء، هي المفاتيح الحقيقية لتحقيق السيادة الصناعية في عالم لا يعترف إلا بالقوة الاقتصادية.