​مدارس “جيليز” التاريخية (سيدي عباد، الحسن الثاني، لالة مريم ،النخيل ) .. هل تلتهم الحيتان العقارية ذاكرة مراكش التعليمية؟

0

#المحور24
​في قلب حي “جيليز”، القلب النابض والراقي لمدينة مراكش، لا تشكل ثانويتا الحسن الثاني وسيدي عباد، وإعداديتا لالة مريم و النخيل ، و مدرسة الزيتون ، مجرد مؤسسات تعليمية عابرة، بل هي قلاع معرفية تتربع على أوعية عقارية استراتيجية باتت اليوم “تحت المجهر”. هذه المساحات الشاسعة، التي تقدر بعشرات الآلاف من الأمتار المربعة وتساوي قيمتها السوقية مئات المليارات من السنتيمات، تحولت إلى “صيد ثمين” يثير لعاب كبار المنعشين العقاريين والمستثمرين.

​بمواقعها المتميزة على شوارع كبرى ومحورية، يرى المستثمرون في هذه المؤسسات “فرصاً ذهبية” لا تتكرر لتحويلها إلى مجمعات سكنية فاخرة، أو فنادق مصنفة، أو مراكز تجارية كبرى تعزز الواجهة العصرية للمدينة الحمراء. هذا التهافت الاستثماري لم يعد مجرد همسات في كواليس الصفقات، بل أصبح ضغطاً واقعاً يضع الوزارة الوصية أمام خيارات معقدة ومقترحات مغرية للتفويت أو الترحيل.
​في المقابل، يسود شارع المراكشي حالة من القلق والرفض الصامت؛ فبالنسبة للساكنة، هذه المدارس ليست مجرد جدران وأقسام، بل هي جزء لا يتجزأ من الهوية البصرية والتاريخية لحي جيليز. إنها مخزن لذاكرة أجيال من أبناء المدينة الذين تخرجوا منها، وشاهدة على حقبة زمنية شكلت ملامح مراكش الحديثة. ترحيل هذه المؤسسات تحت ذريعة “الاستثمار” يراه الكثيرون طعنة لذاكرة المدينة وإمعاناً في تغليب المنطق الإسمنتي على القيمة الرمزية والتربوية.

هذا الملف له ثلاث زوايا تحليلية تبرز عمق الأزمة:
​1. الصدام بين الاقتصاد والهوية:
تعيش مراكش صراعاً كلاسيكياً بين “النيوليبرالية العقارية” التي تبحث عن أقصى استفادة من الوعاء العقاري، وبين “الحق في المدينة” الذي يطالب بالحفاظ على المرافق العمومية التاريخية. تحويل المدارس إلى فنادق قد يدر أموالاً ويوفر فرص عمل، لكنه يفرغ وسط المدينة من عمقه الاجتماعي والخدماتي لصالح السياحة والاستثمار النخبوي.
​2. إشكالية التخطيط الحضري:
إن التفكير في تفويت هذه المؤسسات يطرح سؤالاً جوهرياً حول استراتيجية الدولة في تدبير العقار العمومي. فإخلاء حي جيليز من مؤسسات تعليمية عريقة لصالح مشاريع تجارية قد يؤدي إلى “ترييف” التعليم أو إبعاده إلى الهوامش، مما يزيد من معاناة التلاميذ ويساهم في ظاهرة “الاستلاب الحضري” حيث تصبح مراكز المدن حكراً على الأثرياء والسياح فقط.
​3. المسؤولية السياسية والأخلاقية:
الوزارة الوصية أمام اختبار حقيقي؛ هل ستنتصر للغة الأرقام والميزانيات الضخمة التي يعرضها المنعشون، أم ستنتصر لرمزية “الحسن الثاني” و”سيدي عباد” و”لالة مريم”؟ إن الحفاظ على هذه المؤسسات هو استثمار في “الرأسمال اللامادي” للمدينة، وأي قرار بالتفويت قد يواجه بموجة غضب شعبي ترى في الأمر بيعاً لذاكرة مراكش لمن يدفع أكثر.
إن مدارس جيليز ليست مجرد أرقام في دفتر عقاري، بل هي رئات يتنفس منها تاريخ مراكش. والمعركة حولها هي معركة حول “أي مراكش نريد؟”: مدينة للمستثمرين فقط، أم مدينة تحترم ذكريات أهلها وهويتها التعليمية؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.