لغز شلالات أوزود.. هل تنضب المنابع أم تعيد الجغرافيا ترتيب أوراقها؟
#المحور 24
تعد شلالات أوزود، جوهرة الأطلس الكبير وأحد أرقى المزارات السياحية بالمغرب، مسرحاً لظاهرة أثارت الكثير من الحبر والقلق في الآونة الأخيرة؛ إذ تراجع صبيب عيونها المغذية بشكل لافت، مما فتح الباب أمام سيل من التأويلات، تراوحت بين “تجمد المياه” بفعل البرد، وبين اتهامات بإنشاء منشآت مائية عشوائية.
لكن، وأمام هذا التباين، تبرز الحاجة إلى “قراءة علمية هادئة” تستنطق جيولوجيا الأرض قبل إلقاء الأحكام الظرفية.
جغرافيا “الكارست”.. حينما تتنفس الصخور
لفهم ما يحدث في أوزود، يجب الغوص في بنيتها “الكارستية” المعقدة. فالمنطقة تنتمي لجيولوجيا الأطلس الكبير الأوسط، حيث تسود الصخور الكلسية والدولوميتية القابلة للذوبان. هذه الصخور ليست صماء، بل هي عبارة عن “إسفنجة عملاقة” مليئة بالشقوق والكهوف والقنوات الباطنية.
إن نظام الجريان في هذه البيئات لا يخضع لمنطق الاستمرارية الرتيبة، بل هو نظام “ديناميكي بامتياز”، يتأثر بشدة بطريقة تخزين المياه وتسربها في أعماق الأرض.
”الانخسافات الأرضية”.. المهندس الخفي للجريان الجوفي
تؤكد المعطيات العلمية أن توقف جريان بعض العيون، مثل منبع “تابونووت”، ليس علامة نضوب، بل هو نتيجة لظاهرة تُعرف بـ “إعادة تنظيم الجريان الجوفي”. وتلعب “الانخسافات الأرضية” (Sinkholes) الدور المحوري في هذه العملية:
تغيير المسارات: قد تؤدي الانهيارات الجوفية المفاجئة أو ذوبان الصخور إلى فتح قنوات جديدة تجذب المياه نحو مسارات أكثر انحداراً أو عيوناً أكثر انخفاضاً.
الانسداد المؤقت: خلال فترات التساقطات القوية، تحمل المياه رواسب دقيقة وطينية قد تسد مؤقتاً القنوات المغذية لبعض العيون، مما يؤدي لتوقفها الظاهري.
رسالة طمأنة: حيوية لا تدهور
يخلص التحليل العلمي، المستند إلى تخصص المناخ والمخاطر الهيدرولوجية، إلى أن ما تشهده شلالات أوزود هو “سلوك طبيعي ومؤقت” يعكس حيوية النظام الهيدروجيولوجي للمنطقة. فالمناطق الكارستية تمتلك قدرة عالية على “التكيف الذاتي”؛ فبمجرد استقرار الضغط المائي وانفتاح القنوات المسدودة، تستعيد العيون نشاطها، وأحياناً بصبيب أقوى مما كان عليه.
إن حماية شلالات أوزود تبدأ من فهمها علمياً. وما رصدته “لجنة اليقظة” بعمالة أزيلال يصب في خانة المتابعة الميدانية، لكن التفسير يظل رهيناً بآليات باطنية معقدة. إنها دعوة للثقة في حكمة الطبيعة وفي المقاربات العلمية الرصينة، بعيداً عن ضجيج التأويلات غير المؤسسة، لتبقى أوزود دائماً.. نابضة بالحياة.
(بتصرف عن دراسة للأستاذ سلاك بوعزة)