الاستثمار في الإنسان.. رهان الأمم الناهضة وضياع البوصلة في عالم التفاهة
#المحور24
في صورة حديثة من داخل مقر شركة “تسلا”، ظهر الملياردير الأمريكي إيلون ماسك محاطًا بفريق من مهندسي الذكاء الاصطناعي، بدا لافتًا غياب الوجوه الأمريكية التقليدية وحضور عقول آسيوية تنتمي للهند، باكستان، ماليزيا والفلبين. هذه الصورة التي لا تحمل فقط ملامح تنوّع عرقي، بل تترجم فلسفة الدول التي تعرف طريق النهضة: استيراد العقول بدل استيراد اللاعبين، وبناء مختبرات بحث بدل مسارح للمهرجانات.
الاستثمار الحقيقي لا يكون في الإسمنت ولا في الإعلانات، بل في الإنسان؛ في العقل القادر على حل المعادلات الصعبة، وتصميم برمجيات المستقبل، وتطوير أدوات الإنتاج. هكذا تبنى الأمم وتُصاغ الحضارات الجديدة. بينما في المقابل، هناك دول –ومنها المغرب– لا تزال تراهن على الاستهلاك الثقافي السطحي، وتُكرم صناع “البوز”، وتمنحهم الأضواء والامتيازات، بينما تُقصي المبدعين والعلماء والباحثين، أو تتركهم فريسة للهجرة الجماعية.
إن العالم لا يرحم المتقاعسين عن اللحاق بركب التقدم، ولا ينتظر من يهدر الوقت في تلميع التفاهة. فالدول التي تحترم الإنسان وتضعه في صدارة سياساتها، تنمو وتتطور. أما التي تحتفي بالسطحي والهش، فلا تنتج سوى مزيد من التبعية والانحدار.
من تستقدمهم الدول المتقدمة هم أصحاب الكفاءات العليا، ممن يقودون ثورات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والهندسة المتقدمة. بينما من تستضيفهم بعض الدول العربية والمغاربية هم نجوم مواقع التواصل الاجتماعي وأبطال “الترند”، في حفلات تنتهي بصخب إعلامي لا يُترجم إلى أي فائدة اقتصادية أو علمية.
إن المعركة اليوم ليست في الملعب ولا في المسرح، بل في المختبر وقاعة المحاضرات وشركات البرمجيات. فإما أن نستثمر في الإنسان العارف والمبدع، أو نُضطر إلى استيراد منتَجه بثمن باهظ. فالنهضة تبدأ من احترام العقل، لا من تلميع القشور.
لقد آن الأوان أن يُعاد ترتيب الأولويات، وتُفتح الأبواب أمام أصحاب الفكر والبحث والاختراع، بدل تقديم المنصات لنجوم التفاهة، إن كنا فعلاً نطمح لمكان تحت شمس المستقبل.