صفقة النفايات من خدمة عامة إلى ريع يضخ امتيازات في غياب الرقابة المتواصلة
#المحور24
لم يعد خافياً حتى على المواطن البسيط أن قطاع تدبير النفايات بالعديد من الحواضر المغربية يعيش على وقع “انتكاسة بنيوية” حقيقية. فرغم الميزانيات الضخمة المرصودة لهذا القطاع، والتي تُقدر بمليارات السنتيمات، لا تزال الأزبال تشوه المظهر العام بعدة نقط ، وسط تراجع واضح في جودة الخدمات المقدمة بعدة حواضر .
هذا التناقض الصارخ بين حجم الإنفاق وواقع الحال، فتح الباب واسعاً أمام تساؤلات مشروعة حول تحول بعض صفقات التدبير المفوض إلى شبيه بـ “ريع مقنن” وممرات سرية لضخ أموال عامة في جيوب شركات وجهات تفتقر للحس الوطني والمسؤولية.
وفي هذا السياق، كان وزير الداخلية، عبد الوافي لفتيت، قد وضع إصبعه على الجرح بتأكيده أن منظومة التدبير المفوض لقطاع النظافة تصطدم بإكراهات هيكلية تحول دون تحقيق الأهداف المسطرة. وحصر الوزير أبرز هذه المعيقات في ضعف آليات التتبع والمراقبة، إلى جانب القصور الواضح في حوكمة العلاقة التعاقدية بين المجالس المنتخبة والشركات المفوض لها.
وأقر المسؤول الحكومي بأن هذه الاختلالات تدفع ثمنها جودة حياة المواطن بشكل مباشر. ولمواجهة هذا الوضع، أعلن لفتيت أن وزارة الداخلية تباشر حزمة من الإجراءات الإصلاحية الجذرية، تستهدف إعادة صياغة “العقود النموذجية” لقطاع النظافة، عبر تحديد دقيق للالتزامات التقنية والمالية لكل الأطراف، واعتماد توصيات المجلس الأعلى للحسابات كخارطة طريق لتصحيح المسار، فضلاً عن تقوية أدوات المراقبة الميدانية لضمان نجاعة الصفقات واستعادة نظافة الحواضر المغربية.
كل هذا يعكس أزمة حوكمة عميقة تتجاوز مجرد “جمع النفايات” إلى مساءلة نمط تدبير المرفق العام في المغرب. ويمكن تفكيك هذه الأزمة عبر المحاور التالية:
1. معضلة “الريع التعاقدي” في غياب المتابعة
تحول الصفقات إلى ما يشبه “الريع” يشير إلى ثغرة خطيرة في دفاتر التحملات (Cahier des charges). الشركات غالباً ما تستغل تواطؤ و غياب الرقابة الصارمة من طرف الجماعات الترابية لتقليص كلفة الاستثمار (كعدد الشاحنات، الحاويات، والعنصر البشري و حتى عدد الجولات) مع الحفاظ على نفس المداخيل المالية، مما يحول المرفق العام إلى بقرة حلوب لتعظيم الأرباح على حساب الجودة.
2. اعتراف حكومي بـ “العجز الهيكلي”
تصريحات وزير الداخلية واضحة في تحميل المسؤولية لغياب آليات “التتبع واليقظة”. الجماعات المحلية غالباً ما تفرمل الأطر التقنية المؤهلة لمراقبة مدى التزام الشركات بالمعايير البيئية والتقنية الواردة في العقود، مما يجعل السلطة المفوضة (المجالس) تحت رحمة التقارير الذاتية التي تقدمها الشركات نفسها.
3. المقاربة الإصلاحية: دور المجلس الأعلى للحسابات
توجه وزارة الداخلية للاستعانة بتوصيات المجلس الأعلى للحسابات (قضاة الماليّة) يعد خطوة إيجابية للانتقال من “التدبير السياسي/العشوائي” إلى “التدبير العقلاني المالي”. تعديل العقود النموذجية يعني إدخال بنود جزائية صارمة، وربط الأداء المالي بالنتائج المحققة على أرض الواقع (Performance-based contracting).
4. التكلفة الاجتماعية والبيئية
المتضرر الأول والأخير هو المواطن الذي يؤدي الضرائب وينتظر بيئة سليمة. تراكم النفايات ليس مجرد تشويه بصري، بل هو تهديد للصحة العامة وللجاذبية السياحية والاستثمارية للمدن المغربية، مما يعني أن استمرار الأزمة يضر بالاقتصاد المحلي ككل.
إن إصلاح قطاع النظافة بالمغرب لم يعد ترفاً تنموياً، بل هو اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في تفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”. تعديل العقود خطوة أولى، لكن المحك الحقيقي يكمن في وجود “إرادة سياسية” لدى المجالس الجماعية لتطبيق القانون وفرض غرامات على الشركات المخلة بوعودها، بعيداً عن أي تواطؤات مصلحية.