عندما يضلُّ وعي المستهلك طريقه: كيف تحوّل “بروتين الفقراء” إلى ضحية للمقاطعة العشوائية؟
#المحور24
في خضم الأزمات الاقتصادية وتوالي موجات الغلاء التي تضرب جيوب المواطنين، تبرز “المقاطعة” كأداة حضارية وسلاح فعال بيد الشعوب لإعادة التوازن إلى الأسواق وكبح جماح الجشع. لكن، حين يغيب الوعي الاقتصادي والتخطيط العقلاني، قد يتحول هذا السلاح إلى “رصاصة طائشة” تصيب الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع. هذا تماماً ما نشهده اليوم في السلوك الغريب لبعض المواطنين الذين أطلقوا حملات لمقاطعة الدجاج والبيض — اللذين يمثلان “بروتين الفقراء” — بدلاً من توجيه بوصلة المقاطعة نحو اللحوم الحمراء التي بلغت أسعارها أرقاماً فلكية.
من المؤسف والمثير للاستغراب أن نرى حملات مقاطعة شرسة تستهدف اللحوم البيضاء والبيض. هذه المواد ليست مجرد خيارات غذائية عادية، بل هي صمام الأمان الغذائي لذوي الدخل المحدود؛ فالبيض يُمثل وجبة غذائية متكاملة وغنية بالبروتينات والعناصر الأساسية وبأقل تكلفة ممكنة، بينما يظل الدجاج هو الملاذ الأخير للأسر البسيطة للحصول على بروتين حيواني بعد أن أصبحت اللحوم الحمراء حلمًا بعيد المنال.
القاعدة الاقتصادية البسيطة تقول: إذا ارتفع سعر المادة الأساسية (اللحوم الحمراء)، يجب على المستهلك مقاطعتها لخفض الطلب وإجبار التجار على خفض الأسعار، مع الاعتماد على البدائل المتاحة (اللحوم البيضاء). لكن ما حدث في الواقع هو العكس تماماً؛ جرى الهجوم على البديل المتاح، مما يهدد بإلحاق الضرر بقطاع إنتاجي يشغّل آلاف اليد العاملة البسيطة، ويسهم في تعميق أزمة الغذاء لدى الأسر المعوزة.
إن محاربة “بروتين الفقراء” تعكس حالة من التخبط وغياب الوعي الاستهلاكي الممنهج. فبدلًا من رص الصفوف ومقاطعة السلع الترفيهية أو اللحوم الحمراء التي تجاوزت القدرة الشرائية للمواطن العادي بكثير، نساق وراء حملات عشوائية تضر بالفقير قبل الغني. الغني لن يتأثر بمقاطعة الدجاج أو غلائه، لكن المواطن البسيط هو من يجد مائدته فارغة في نهاية المطاف.
أمام هذا المشهد، يتجلى الخيار الشخصي الواعي كنموذج لما يجب أن يكون عليه سلوك المستهلك الفطن. فامتناع المرء عن مقاطعة الدجاج والبيض، والإصرار على استهلاكهما كعناصر أساسية لضمان التوازن الغذائي لبيته، مع إعلان المقاطعة التامة والقطعية للحوم الحمراء، هو عين العقل والصواب.
إن مقاطعة اللحوم الحمراء هي الخطوة التي ستؤتي ثمارها حتماً؛ لأنها تضغط مباشرة على مكامن الخلل في السوق، وستجبر الأسعار على التراجع لتصبح في متناول الجميع مجدداً. أما الاستمرار في محاربة الدجاج والبيض، فهو ليس إلا تدميراً ذاتياً لأمننا الغذائي اليومي.
لنجعل من المقاطعة سلوكاً واعيًا وهادفاً، لا مجرد اندفاع عاطفي يخدم الجشع ويحرم الفقير من لقمة عيشه الأساسية. قاطعوا اللحوم الحمراء حتى تنخفض، وحافظوا على بروتين البسطاء.