بل يوجد مغاربة على الساحل”… جملة إسبانية تنبض بالتاريخ والخوف

0

#المحور24
“لا يوجد مغاربة على الساحل” – عبارة بسيطة، لكنها مشبعة بالخوف والتاريخ والحنين، يتداولها الإسبان، بل وحتى بعض شعوب أمريكا اللاتينية، في لحظات الخطر. لكن ما الذي تعنيه هذه الجملة؟ وما أصلها؟ ولماذا ما زال صداها يتردد حتى اليوم؟
يروي أحد المصريين المقيمين في إسبانيا حادثة وقعت معه أثناء استقلاله سيارة أجرة. عندما وقع زلزال مفاجئ، ساد الذعر، وانتاب الخوف السائق والراكب على حد سواء. وبعد انتهاء الهزة الأرضية، تنفّس السائق الصعداء وقال: “No hay marroquíes en la costa” – أي “لا يوجد مغاربة على الساحل”. تفاجأ الراكب المصري بهذه العبارة الغريبة، وحين سأل عن معناها، لم يحصل على تفسير مباشر، سوى أن الإسبان يرددونها عندما يشعرون بالخوف، ثم يطمئنون بزواله.
هذه الجملة، على بساطتها، تخفي وراءها قرونًا من التوتر التاريخي المتجذر في الذاكرة الجماعية الإسبانية، تعود إلى عصر سقوط الأندلس. فبعد انحسار الحكم الإسلامي في الأندلس، كان الإسبان يعيشون في ظلّ تهديد دائم من الجنوب، من خلف البحر، حيث تقع بلاد المغرب. كان شبح عودة “المغاربة” – وهم في المفهوم الإسباني يشيرون إلى المسلمين، خصوصًا من شمال إفريقيا – يؤرق الحكام والسكان.
على السواحل الجنوبية لإسبانيا، كانت الأبراج الدفاعية تملأ الشريط الساحلي. وكان الحراس يراقبون الأفق من هذه الأبراج، فإذا ما بدا البحر هادئًا ولا خطر فيه، كانوا يصرخون: “لا يوجد مغاربة على الساحل”، كإشارة إلى الأمان. تحولت هذه العبارة إلى أداة نفسية جماعية تُستخدم لنزع الخوف والطمأنة.
ورغم مرور قرون، انتقلت هذه العبارة من جيل إلى جيل، واحتفظت بنفس وظيفتها النفسية، لكنها لم تبقَ حكرًا على إسبانيا. فقد انتقلت مع الهجرة والاحتكاك الثقافي إلى العديد من بلدان أمريكا اللاتينية، حيث أصبح اللاتينيون هم الآخرون يرددونها بشكل لا واعٍ كلما زال خطر مفاجئ.
هذا التحول من جملة ذات طابع عسكري استراتيجي إلى تعبير شعبي دال على الطمأنينة، يعكس كيف تتغلغل التجارب التاريخية في وجدان الشعوب. والغريب أن رمز الخطر في العبارة – المغاربة – لم يكن شتيمة أو انتقاصًا، بل كان تعبيرًا عن هيبة عسكرية وتاريخية ارتبطت بقوة المسلمين في زمن كانت فيه الضفة الجنوبية للبحر المتوسط تمثل مركزًا حضاريًا وعسكريًا.
اليوم، قد يردد شاب لاتيني في بوينس آيرس أو شابة إسبانية في غرناطة نفس الجملة دون أن يدركوا تمامًا جذورها. لكنها تظل شاهدًا على خوفٍ لم يُمحَ، وذاكرة تاريخية لم تُنسَ، ومكانة ظل المغاربة يحتلونها في لاوعي جيرانهم الأوروبيين، كقوة قادمة دومًا من الجنوب، تربك المعادلة.
“لا يوجد مغاربة على الساحل” – ليست مجرد عبارة، بل مرآة تعكس قرونًا من التوجس والانبهار والرهبة، ما زالت تتردد في الوجدان الإسباني واللاتيني حتى يومنا هذا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.