المسيرة الكَحلة.. (حتى لا ننسى) عندما تم طرد في لحظة غدر ل 350 ألف مغربي من الجزائر في يوم عيد الأضحى دون رحمة
#المحور24
يوم عيد الأضحى لسنة 1975 لم يكن يومًا عاديًا في ذاكرة آلاف العائلات المغربية. ففي الوقت الذي كانت فيه الأسر تتبادل التهاني وتستعد لصلاة العيد وذبح الأضاحي، وقعت واحدة من أكثر الأحداث إيلامًا في التاريخ الحديث للعلاقات المغربية الجزائرية: ترحيل جماعي قسري لأزيد من 350 ألف مغربي من الأراضي الجزائرية، في واقعة عُرفت لاحقًا بـ”المسيرة الكَحلة”.
فوجئت العائلات المغربية المقيمة في الجزائر، كثيرٌ منها منذ أجيال، بقوات الأمن وهي تطرق أبوابهم وتأمرهم بالمغادرة الفورية. لم يكن لديهم متسع من الوقت لجمع أغراضهم، أو حتى وداع جيرانهم. هناك من ترك أضحيته معلقة، ومن لم يُكمل حتى ذبحها، ومن لم يُودّع أبناءه أو زوجته.
قُطعت الصلة في لحظة. الناس خرجوا حفاة، مذهولين، تاركين وراءهم منازلهم، متاجرهم، ممتلكاتهم، بل وحتى أحلامهم. مشاهد مأساوية امتزجت فيها الدموع بالغضب، في عملية ترحيل لم ترعَ حرمة العيد ولا روابط الدين أو الجوار.
جاء هذا القرار الصادم في خضم توتر سياسي بين الرباط والجزائر، عقب إعلان المغرب عن “المسيرة الخضراء”، التي كانت تهدف إلى استرجاع الأقاليم الجنوبية من الاستعمار الإسباني. كان الرد الجزائري بقيادة الرئيس الراحل هواري بومدين (بوخروبة) عنيفًا ومفاجئًا. فبدل الاحتكام للحوار السياسي، اتخذ قرارًا بطرد آلاف المغاربة، في ما اعتُبر رسالة انتقامية سياسية تحت غطاء “السيادة”.
لم يكن المغاربة المقيمون في الجزائر مجرد عمال وافدين، بل شكلوا جزءًا من النسيج الاجتماعي والاقتصادي الجزائري، خصوصًا في ولايات الجنوب مثل بشار، تندوف، وأدرار، وهي مناطق لها امتداد تاريخي مغربي. كثير منهم ساهموا في دعم الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، وكانوا من الحرفيين والتجار الذين ساهموا في بناء اقتصاد ما بعد الاستقلال.
وبحسب التقديرات، كان المغاربة يشكلون نحو 2.3٪ من سكان الجزائر آنذاك، أي حوالي 350 ألف نسمة من مجموع 16 مليونًا. ومع ذلك، لم يشفع لهم التاريخ المشترك ولا المواقف الإنسانية السابقة، وتم ترحيلهم بشكل جماعي دون محاكمة، ودون مراعاة حقوق الإنسان أو القانون الدولي.
المطرودون عاشوا صدمة نفسية حادة، لا زالت آثارها النفسية والاجتماعية ماثلة إلى اليوم. العديد منهم لم يُعوَّض، ولم تُسترجع ممتلكاتهم، ولا تم مساءلة أي مسؤول عن ما حدث. لقد أُغلقت تلك الصفحة رسميًا، لكنها لا تزال مفتوحة في قلوب من عاشوها، وورثها أبناؤهم وأحفادهم.
تبقى “المسيرة الكَحلة” نقطة سوداء في تاريخ المنطقة المغاربية، تُذكرنا كيف يمكن للسياسة أن تُفرّق ما جمعه الدين والتاريخ والجغرافيا. ففي زمن كان يُفترض فيه أن يسود التضامن والتكافل بمناسبة دينية عظيمة، وقع العكس تمامًا: تمزّقت العائلات، وانتهكت الحقوق، باسم مواقف سياسية عابرة.
وإن كان الزمن كفيلًا بمداواة الجراح، فإن نسيانها لا يعني الشفاء منها.