المغرب ودول الساحل: رسم الخرائط بغرب إفريقيا

0

#المحور24

في لحظة مفصلية من التحولات العميقة التي تعصف بمنطقة الساحل الإفريقي، يضع المغرب اليوم حجر أساس لتحالف استراتيجي جديد، لا يعتمد فقط على التاريخ المشترك أو القرب الجغرافي، بل يراهن على الاستثمار في المستقبل، وتوسيع أفق الجوار جنوبًا نحو العمق الإفريقي.

الرباط لم تعد تتحدث فقط بلغة التضامن التقليدي أو العلاقات “الأخوية”، بل تبني مشروعًا جيوسياسيًا طموحًا، عنوانه: **الربط الأطلسي**. مشروع يهدف إلى كسر العزلة الجغرافية التي عانت منها دول مثل النيجر ومالي وبوركينا فاسو، ومنحها منفذًا اقتصاديًا استراتيجيًا نحو المحيط الأطلسي عبر الأراضي المغربية.

الاستقبال الملكي الذي جمع محمد السادس بوزراء خارجية الدول الثلاث في القصر الملكي بالرباط، لم يكن مجرد بروتوكول دبلوماسي؛ بل جاء ليعطي إشارة واضحة: المغرب جاهز ليكون “نافذة الأطلسي” الجديدة لهذه الدول، في زمن يتغير فيه شكل الشراكات التقليدية وتتراجع فيه الهيمنة القديمة.

الوزراء لم يأتوا فقط حاملين رسائل شكر، بل قدموا أيضًا عرضًا مفصلًا حول مسار تأسيس “تحالف دول الساحل”، الإطار البديل الذي اختارته هذه الدول بعد انسحابها من منظمة “إيكواس”، في مسعى لإعادة بناء علاقاتها الخارجية على أسس جديدة وأكثر استقلالية.

ما يميز المبادرة المغربية أنها لا تُقايض بالمواقف ولا تتوسل الولاءات، بل تطرح نموذجًا مبنيًا على الربح المتبادل، وتفتح آفاق شراكة قائمة على التنمية والولوج إلى الأسواق، بدل الإملاءات أو الدعم المشروط الذي ارتبط طويلًا ببعض القوى التقليدية في المنطقة.

في هذا السياق، يرى مراقبون أن المغرب بات يشكل قوة ناعمة وفاعلة تتسلل إلى العمق الإفريقي من بوابة الاقتصاد والتنمية، لا الجيوش والانقلابات. وهو ما يفسر تنامي حماسة دول الساحل لهذا التقارب، واعتبارها المبادرة الملكية “فرصة استراتيجية” قد تغيّر قواعد اللعبة.

لا يمكن قراءة هذا الانفتاح المغربي دون التوقف عند التحولات الإقليمية الكبرى. فالصراع الصامت بين الرباط والجزائر يمتد اليوم إلى قلب الساحل. والرباط تراهن على بناء شراكات قائمة على الثقة والمشاريع الكبرى، بينما تسعى الجزائر إلى تكريس نفوذها عبر شبكات النفوذ الأمني والسياسي التقليدي.

لكن يبدو أن رياح الساحل تميل نحو من يقدم بديلاً تنموياً حقيقياً. “الجنوب-الجنوب” لم يعد مجرد شعار في خطاب مغربي، بل خيار استراتيجي يتجسد في موانئ، وممرات، ومشاريع نقل، تربط القارة ببعضها البعض بدل أن تشتتها.

المبادرة المغربية لا تخلو من تحديات: من البنية التحتية التي تحتاج إلى استثمارات ضخمة، إلى استقرار سياسي هش في بعض الدول الشريكة، ومرورًا بضرورة التنسيق الأمني لمواجهة التهديدات العابرة للحدود. إلا أن الرهان المغربي يبدو واضحًا: إذا أردنا استقرارًا حقيقياً في الساحل، فلا بد من إطلاق عجلة التنمية.

وفي نهاية المطاف، فإن ما يفعله المغرب اليوم هو إعادة تعريف موقعه في إفريقيا: ليس بوابة نحو أوروبا فقط، بل رئة أطلسية تتنفس بها إفريقيا الغربية مستقبلها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.