العنصرية سلاح صامت بالجزائر

0

#المحور24
حين تصمت السياسة، يبقى للصحافة دورها في تذكير العالم أن كل طفل يباع، وكل مهاجر يُحتجز، وكل كائن يُهان بسبب لونه، هو جرح في ضميرنا جميعًا.
في زحمة الأحداث الإقليمية المتسارعة، وبين تقاطع المصالح السياسية والأمنية، تنكشف في الجزائر فصول موجعة من أزمة إنسانية صامتة. الأزمة هنا لا تنحصر في مقطع فيديو، ولا تنتهي عند صور أطفال يباعون في وضح النهار، بل تمتد إلى سؤال أخلاقي وجوهري: كيف تحوّلت كرامة الإنسان إلى عملة تفاوضية في سوق السياسات الخارجية؟
المهاجرون القادمون من مالي ودول الساحل، لم يكونوا يومًا طرفًا في الصراعات السياسية ولا أدوات في مفاوضات إقليمية، لكنهم وجدوا أنفسهم اليوم وسط عاصفة من الكراهية والتهميش. ليس لأنهم أخطأوا الطريق، بل لأن وجودهم في الفضاء العام الجزائري أصبح مرآة تعكس خللًا أعمق في بنية التعامل الرسمي مع الآخر.

في الجزائر، كما في دول كثيرة، ترتبط قضية المهاجرين بالسرديات الأمنية: “تهديد اجتماعي”، “عبء اقتصادي”، “قنبلة ديموغرافية”. لكن هذا الخطاب يزداد فتكًا عندما يُلبّس برداء الوطنية، ويصبح تمهيدًا لسياسات ترحيل وقمع مبررة شعبيًا.

ما يُقلق ليس فقط المقاطع المتداولة، بل القبول المجتمعي المتزايد لخطاب الكراهية، وكأن الوعي الجمعي أعيد تشكيله ليجد في المهاجر الأفريقي “الآخر” المُهدِّد، بدل أن يراه كلاجئ إنساني هارب من جحيم الفقر والحرب. هذا التحوّل لا يحدث فجأة، بل نتيجة خطاب رسمي مسكوت عنه، يُنتج الخوف، ويغذّي الوهم، ويعيد رسم حدود الانتماء بلون البشرة.

وراء الأبواب المغلقة، يقبع آلاف من المهاجرين في مراكز “احتجاز” مؤقتة، اختفت أسماؤهم من قوائم الحياة اليومية، وغابت وجوههم عن الشوارع. أطفال، نساء، شباب، محوٌ منهجي بصمت. من يتحمل مسؤولية هذا الغياب؟ ومن يُحاسب عن التحايل على اللغة لتمرير السياسات؟
سياسيًا، قد تبدو هذه الورقة رابحة في لعبة النفوذ بين الجزائر ومالي، خصوصًا بعد انسحاب الأخيرة من اتفاق السلام الذي رعته الجزائر. لكن الثمن هنا لا يُقاس بالبروتوكولات، بل بالأنين الممنوع من البث، وبجراح أُجبرت على الصمت.
رغم فداحة المشهد، لم تُحرّك المؤسسات الدولية ساكنًا، ولا صدر موقف يرقى إلى حجم المأساة. ربما لأن المهاجرين الأفارقة لا يملكون حلفاء نافذين، وربما لأن الإنسانية ما تزال تخضع لاختبارات الجغرافيا والعرق.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل لحظة اختبار حقيقية للضمير الإنساني. فهل تُرى الكرامة الإنسانية ستبقى دومًا مرهونة بلون الجواز؟ وهل سيبقى اللاجئ يدفع فاتورة التوترات التي لم يكن يومًا جزءًا منها؟.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.