​بين “خليه يبعبع” وتوازن السوق: مخاض أضحية العيد في المغرب وأزمة هيمنة الشناقة

0

#المحور24
​مع اقتراب شعيرة عيد الأضحى المبارك، يرتفع منسوب القلق لدى الأسر المغربية بفعل الارتفاع الصاروخي المتوقع في أسعار الأضاحي. هذا القلق تحول إلى موجة غضب رقمية تجسدت في حملة المقاطعة الشهيرة “خليه يبعبع”. لكن خلف هذه الشعارات المستهلكة، يختبئ نقاش اقتصادي واجتماعي معقد يتأرجح بين ضرورة حماية جيب المواطن وصيانة لقمة عيش الفلاح البسيط.
​لم تكن حملة “خليه يبعبع” وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة تراكمات موضوعية فرضها الواقع الاقتصادي والمناخي:
– ​توالي سنوات الجفاف: عانى المغرب من مواسم جفاف متتالية أثرت سلباً على الغطاء النباتي للمراعي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الأعلاف بشكل غير مسبوق وزيادة كلفة الإنتاج على الكسابة.
– ​تغول “الشناقة” (الوسطاء): يعتبر الجشع التجاري للمضاربين السبب الأبرز في التهاب الأسعار؛ إذ يعمد هؤلاء إلى شراء الأضاحي من الفلاح بأثمنة بخسة مستغلين حاجته، ليبيعوها للمواطن في المدن بأسعار مضاعفة.
– ​أزمة القدرة الشرائية: في مقابل الغلاء، يواجه المواطن جموداً في الأجور، حيث إن ثبات الحد الأدنى للأجر (السميك) في حدود 3000 درهم يجعل من اقتناء أضحية بسعر يفوق 4000 درهم ضرباً من المستحيل للعديد من الأسر.

​إن قرار المقاطعة أو تبني حلول بديلة يفرز مواقف متباينة، لكل منها وجهان من الآثار الاقتصادية والاجتماعية:
​أولاً: حملة المقاطعة (“خليه يبعبع”)
– ​من حيت الإيجابيات: تمثل هذه الحملة سلاحاً فعالاً لـ “كسر ذراع” الشناقة والمضاربين، وإجبارهم على خفض هوامش ربحهم الخيالية. كما أنها تعكس وعياً استهلاكياً قوياً وقدرة تعبوية للمواطن لتعديل كفة السوق.
– ​من حيث السلبيات: تكمن الخطورة في أن المقاطعة الشاملة قد تضر بشكل مباشر بالكساب الحقيقي (الفلاح الصغير)، الذي كافح طوال السنة وتكبد مصاريف الأعلاف الديون ليعيل أسرته، مما قد يدفعه للعزوف عن هذه المهنة مستقبلاً ويهدد الأمن الغذائي للبلاد.
بالنسبة ل مقترح مقاطعة اللحوم طيلة السنة
​يرى تيار عقلاني أن المشكلة ليست موسمية مرتبطة بالعيد وحده، بل بنمط الاستهلاك السنوي.
– ​الإيجابيات والنتائج: إن خفض الطلب على اللحوم الحمراء أو تقليص استهلاكها إلى النصف طيلة أشهر السنة، من شأنه أن يجبر الجزارين والوسطاء على خفض الثمن تلقائياً. هذا الخيار يحقق توازناً هيكلياً مستداماً لأسعار اللحوم بالمغرب عوض الاكتفاء بحلول ترقيعية مؤقتة.
​بالنسبة اخبار مقترح “تسقيف الأسعار” (بين 1500 و2000 درهم)
​وهو المقترح الداعي إلى ربط ثمن الأضحية بالقدرة الشرائية الفعلية للمواطن البسيط.
​سيضمن هذا المقترح تحقيق العدالة الاجتماعية، وتمكين الأسر المعوزة من إحياء الشعيرة دون الغرق في مستنقع القروض الاستهلاكية. ومع ذلك، فإن تنفيذه على أرض الواقع يبقى معقداً جداً، لأنه يتطلب تدخلاً حكومياً صارماً ومراقبة لصيقة لأسواق عشوائية تخضع منطقياً لقانون العرض والطلب المفتوح.
​إن استمرار هذا التجاذب بين المقاطعة والواقع يفرز نتائج حتمية لا يمكن تغافلها:
– ​اتساع الشرخ الاجتماعي: تزايد الفجوة بين طبقة ميسورة قادرة على الشراء مهما كان الثمن، وطبقة كادحة تجد نفسها محرومة من فرحة العيد.
– ​تحول في العادات والثقافة: بدء تقبل فكرة “العزوف عن الأضحية” كخيار شرعي واقتصادي لدى فئات واسعة، تغليباً للمصلحة المالية والعقلية (حيث لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
​حتمية إعادة هيكلة الأسواق: أصبحت الدولة مطالبة ليس فقط بدعم الاستيراد، بل بـ “رقمنة” سلاسل التوزيع وإحداث أسواق نموذجية من المنتج إلى المستهلك مباشرة، لإقصاء “الشناقة” نهائياً من اللعبة.
إن حملة “خليه يبعبع” ليست مجرد صرخة احتجاج ضد غلاء الأضحية، بل هي مؤشر على ضرورة تغيير قواعد اللعبة. فالحل الحقيقي لا يكمن في معاقبة الكساب البسيط الذي يضمن أمننا الغذائي، بل في لجم جشع الوسطاء، وابتكار حلول حكومية شجاعة تضمن كرامة المواطن وقوت الفلاح على حد سواء.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.