تلاميذ مدرسة بأكادير يشترون كبش الأضحية لعاملة النظافة بالمدرسة
#المحور24
”الرجولة منذ الطفولة”.. تلاميذ “التمسية” بأكادير يكتبون بجيوبهم الصغيرة درساً بليغاً في التكافل الإنساني ، في زمنٍ كثر فيه الحديث عن فجوة القيم وتراجع الحس التضامني بين الأجيال الناشئة، جاء الرد حاسماً ودافئاً من قلب منطقة “التمسية” بضواحي أكادير. هناك، حيث لم تمنع بساطة الحال ومحدودية الإمكانيات مجموعة من التلاميذ من صياغة ملحمة إنسانية صغيرة في حجمها، باذخة في معناها، بعد أن نجحوا في رسم ابتسامة العيد على وجه سيدة بسيطة تفني يومها في خدمة نظافة مؤسستهم التعليمية.
المبادرة التي انطلقت بشرارة عفوية من الفتى الصغير “آدم الشباكي” وزملائه، تحولت إلى درس حي في التربية والمواطنة؛ حيث أثبت هؤلاء الصغار أن “الدرويش لا يشعر بوجعه إلا أخوه الدرويش”، وأن كبرياء العطاء لا يرتبط أبداً بعمر المعطي أو حجم ثروته.
بدأت القصة عندما استشعر التلاميذ ثقل مصاريف عيد الأضحى على عاملة النظافة بالمدرسة، فقرروا ألا يمر العيد دون أن يدخلوا الفرحة إلى بيتها. قاد الفتى آدم الخطوة الأولى بجرأة الكبار، متوجهاً رفقة زملائه إلى إحدى الضيعات الفلاحية لشراء الأضحية، حيث بادر بدفع مبلغ 300 درهم كعربون من مصروفه الخاص لتأمين الخروف الذي بلغ سعره 3300 درهم.
ولأن اليد الواحدة لا تصفق، ابتكر التلاميذ خطة تشاركية ذكية؛ حيث وضعوا “صندوقة التضامن” في ساحة المؤسسة، مفسحين المجال أمام بقية زملائهم من التلاميذ والأطر التربوية والإدارية للمساهمة كل حسب استطاعته. في غضون أيام قليلة، تحول الصندوق الخشبي الصغير إلى مغناطيس للقلوب الرحيمة، وتمكنوا من جمع المبلغ كاملاً وإهداء السيدة أضحية العيد وسط أجواء تفيض بالدموع والفخر.
تتجاوز هذه الواقعة كونها مجرد “عمل خيري عابر”، لتطرح دلالات عميقة تستحق التوقف والتحليل:
1. أنسنة الفضاء المدرسي
تؤكد هذه المبادرة أن المدرسة ليست مجرد جدران لتلقي العلوم الجافة، بل هي فضاء قيمي بامتياز. التفات التلاميذ لعاملة النظافة يعكس وعياً مبكراً بـ “العدالة الاجتماعية” وتقدير “المهن المهمشة”. هؤلاء الأطفال لم يروا فيها مجرد موظفة تؤدي عملاً، بل رأوا فيها “أماً” تستحق التكريم، وهو ما يرسخ قيم الاعتراف بالجميل.
2. القيادة التضامنية (الرجولة المبكرة)
مبادرة الطفل آدم بدفع العربون تظهر ملامح “القيادة الإيجابية” لدى الطفل المغربي. إن قدرة طفل في سن الدراسة على اتخاذ قرار مالي وعملي كهذا، تعكس نضجاً نفسياً وتربية أسرية متينة بنيت على تحمل المسؤولية والشعور بالآخر، وهو ما يفسر ثناء رواد مواقع التواصل الاجتماعي بشعار “الرجولة منذ الطفولة”.
3. اقتصاد التضامن العفوي
في ظل الارتفاع الملحوظ في أسعار الأضاحي، أثبت التلاميذ أن “التمويل الجماعي” (Crowdfunding) بالفطرة الشعبية قادر على حل أعقد المشاكل الاجتماعية. فكرة “الصندوقة” في الساحة هي تجسيد عصري لثقافة “تويزا” المغربية الأصيلة، والتي تؤكد أن تجميع المبالغ البسيطة يصنع فوارق جبارة في حياة الآخرين.
هؤلاء هم شباب المستقبل الذين نحتاجهم وبشدة؛ جيل لا يكتفي بمشاهدة الأزمات أو التحسر عليها، بل يبادر ويبتكر الحلول بقلب نقي. إن مبادرة تلاميذ التمسية هي وسام شرف على صدر المنظومة التربوية والأسرية المغربية، ورسالة واضحة لكل محبط بأن الخير في هذه الأرض ما زال ينبض في عروق صغارها قبل كبارها. فطوبى لمن رباهم، وهنيئاً للمجتمع بضمائرهم الحية.