انقلاب الموازين العاطفية: كيف تربعّت “البنات” على عرش قلوب الآباء في خريف العمر؟
#المحور24
لطالما ساد في الوجدان الإنساني والموروث الاجتماعي تفضيل الأبناء الذكور، وهو انحياز وثقته الأرقام على مدار ثمانية عقود من استطلاعات الرأي. فمنذ عام 1941، ودراسات مؤسسة “غالوب” الأمريكية تظهر جواباً ثابتاً لا يتزحزح؛ إذ كان الرجال يميلون بنسبة تقارب الضعفين لاختيار إنجاب ولد بدلاً من بنت. لكن خلف الأبواب المغلقة وفي عمق البيوت، كان هناك زلزال صامت يغير قناعات الآباء، لتشهد السنوات الأخيرة تحولاً تاريخياً وبدأت الكفة تميل، بهدوء وثقة، نحو “المؤنسات الغاليات”.
تُشير البيانات الحديثة إلى أن الفجوة التقليدية تلاشت تماماً؛ ففي فنلندا اختفى تفضيل الذكور منذ تسعينيات القرن الماضي، وفي كوريا الجنوبية بات السعي لإنجاب البنات يتفوق بوضوح. واليوم، يعبر الآباء علانية عن رغبتهم بأن يكون مولودهم الأول أنثى. هذا التحول ليس مجرد طفرة إحصائية، بل هو “صحوة فكرية وعاطفية” قادها الآباء بعد أن أعادوا اكتشاف مفهوم السند الحقيقي.
لماذا تفوقت البنات في اختبار “العمر المتقدم”؟
يرجع الباحثون وعلماء الاجتماع هذا التحول الجذري إلى حزمة من الأسباب النفسية، والاقتصادية، والإنسانية التي تبلورت بشكل جلي في العصر الحديث:
1. فطنة الكِبر.. الابنة “أحنّ” وأقرب للروح
السبب الأبرز والأكثر عمقاً يكمن في مرحلة الشيخوخة وخريف العمر. لقد أدرك الآباء – بالتجربة والواقع – أن البنات يمتلكن تركيبة عاطفية تجعلهن أكثر حناناً ورعاية للوالدين عند الكبر. الابنة تميل بطبيعتها إلى تفقد أحوال والديها، والاهتمام بتفاصيلهم الصحية والنفسية، وتوفير الدعم الوجداني الذي يفتقده الرجل المسن. هذا الحنان المتدفق أثبت للآباء أن “السند” ليس بقوة الجسد، بل برقة القلب.
2. ذوبان الحجة الاقتصادية والإرث الرقمي
في المجتمعات القديمة، كان الذكور يفضلون لسببين: حمل اسم العائلة، وكونهم الذراع الاقتصادي الذي يعيل الأسرة. في الاقتصاد الحديث، تفككت هذه النظرة؛ فالمرأة أصبحت قوة اقتصادية مستقلة وقادرة على الإعالة تماماً كالرجل. أما فكرة “حمل الاسم” فقد تراجعت قيمتها أمام الحاجة الإنسانية الملحة للرعاية والاهتمام في سنوات العمر المتقدمة.
3. جودة التواصل وعمق الروابط
تظهر الدراسات أن روابط (الأب – الابنة) تميل لأن تكون أكثر عمقاً ونضجاً من الناحية العاطفية. البنات يتواصلن بشكل أفضل، ويبدين مرونة أكبر في التعبير عن مشاعرهن، مما يخلق مساحة من الأمان النفسي للأب، ويزيل الفجوة الجافة التي غالباً ما تفرضها طبيعة العلاقات بين الآباء والذكور المبنية على الحزم أو الندية أحياناً.
إن التراجع العالمي في تفضيل الذكور يعلن نهاية عصر “الانحياز للنوع” وبداية عصر “الانحياز للمشاعر”. لقد أدرك الآباء متأخرين، وبفطنة سنوات الكبر، أن متطلبات الشيخوخة لا تحتاج إلى من يحمل الاسم بقدر ما تحتاج إلى من يحمل القلب؛ وهو ما جعل الابنة تتصدر خيارات الآباء كأجمل استثمار عاطفي للمستقبل.