«معبر درهمينز».. لافتة عابرة تفضح جشعاً اجتماعياً متوارثاً
#المحور24
لم تكن تلك اليافطة الكرتونية المكتوبة بخط اليد وبطريقة بدائية، والتي كُتب عليها بخط عريض: «العبور: 2 دراهم»، مجرد تسعيرة عشوائية لمرور عابر عبر مسلك طيني أو ممر ترابي رممته يد أحد “الانتهازيين” المحليين. إنها في عمقها رمز مادي صارخ لتحول بنيوي في العلاقات الإنسانية والاجتماعية؛ حيث بات كل شيء، حتى حق السير في الطبيعة، خاضعاً لمنطق السمسرة والاستثمار على حساب الحاجة اليومية للمواطن.
أثارت هذه اللافتة موجة عارمة من الغضب والسخرية السوداء على منصات التواصل الاجتماعي وفي الشارع؛ إذ اعتبرها الكثيرون تجسيداً فجاً لشعار غير معلن بات يحكم معاملات الكثيرين: “الكل يريد الربح السريع على ظهر أخيه”.
لكن المفارقة الصادمة، والتي تتجاوز حدود الغضب السطحي، تكمن في هوية الغاضبين أنفسهم. ففي تدوينات الاستنكار والتعليقات التي تصف واضعي اليافطة بـ”الشناقة” (الوسطاء الانتهازيين) ومعدومي الضمير، يختبئ تناقض اجتماعي غريب:
تجد أحدهم يسكب حبراً غزيراً في إدانة “جشع الدرهمين”، وهو نفسه يمارس “الشناقة” والاحتكار والمضاربة في ميدانه المهني الخاص كل صباح، سواء كان تاجراً، أو صاحب حرفة، أو موظفاً يبتز المرتفقين.
تُحيلنا واقعة “ممر الدرهمين” على ظاهرة “إقالة الربح من العدم”. وهي حيلة تعتمد على استغلال ملك عام، أو ممر طبيعي، أو خدمة عمومية مفترضة، وإدخال “تعديل بسيط” أو إصلاح وهمي عليها (كوضع لوح خشبي فوق بركة ماء، أو تنظيف رصيف)، لشرعنة تحويلها إلى ملكية خاصة تدر دخلاً قبالة صمت الجهات الوصية.
إنها عقلية لا ترى في الفضاء المشترك مكاناً للتضامن أو التعايش، بل “همزة” واستثماراً تجارياً يجب استغلاله حتى آخر رمق. وتكمن خطورة هذه الممارسات الصغيرة في أنها تسهم في:
– تطبيع الجشع: تحويل الابتزاز اليومي الصغير إلى سلوك مقبول ومعتاد.
– تآكل الثقة الاجتماعية: تحول المواطن من شقيق في الوطن إلى “زبون محتمل” يجب اقتناص فرصة التربح منه.
– غياب الردع: غياب المراقبة الصارمة يسمح لكل من امتلك الجرأة بأن يضع لافتته الخاصة ويفرض قوانينه على المارة.
إن لافتة “العبور بـ2 دراهم” ليست حدثاً معزولاً، بل هي لقطة مجهرية تلخص أزمة قيمية يعيشها المجتمع؛ حيث يدان الجشع فقط عندما نكون نحن ضحاياه، ويُبرر تحت مسمى “الشطارة والذكاء” عندما نكون نحن المستفيدين منه.
إن مواجهة “الشناقة” لا تبدأ فقط بمطالبة السلطات بإزالة لافتة عشوائية من ممر طيني، بل تبدأ بمواجهة جماعية مع الذات، وتفكيك العقلية التي تجعل الفرد يستهجن الاستغلال في الشارع ويمارسه خلف مكتبه أو داخل متجره. وبدون هذه المكاشفة، ستبقى كل القطاعات والميادين مجرد ممرات عشوائية كبرى، يدفع فيها المواطن البسيط ثمن “العبور” مرتين: مرة من جيبه، ومرة من كرامته وقيمه الإنسانية.