مفارقة أسعار الأعلاف بالمغرب: بين “رخاء” الأسواق العالمية و”جشع” الحصيلة المحلية
#المحور24
في قراءة تحليلية ذكية تضع الأصبع على مكامن الخلل في منظومة الدعم الفلاحي، قدم أحد الصحفيين مقارنة كاشفة بين مؤشرين يعكسان واقعين متناقضين: الأول يرصد حركة الأسواق والبورصات العالمية، والثاني يتتبع فواتير “الكسابة” ومربي الماشية في المغرب. هذه المقارنة لم تكن مجرد أرقام، بل صرخة سوسيواقتصادية تعري واقع الأسعار بالمملكة.
1. الأسواق العالمية: انخفاض المازوت وتراجع كلفة المواد الأساسية
تؤكد البيانات الرسمية الصادرة عن بورصة شيكاغو العالمية أن حدة الأزمة الاقتصادية التي خنقت العالم قد انجلت؛ فالمواد الأولية التي تُشكل عصب صناعة الأعلاف (الذرة، الصوجا، والقمح) والتي بلغت مستويات قياسية سنة 2022 جراء اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وتوالي سنوات الجفاف، شهدت تراجعاً ملحوظاً خلال سنتي 2024 و2025، لتعود تقريباً إلى مستوياتها الطبيعية التي سبقت الأزمة.
هذا الانفراج العالمي لم يقتصر على الحبوب فحسب، بل شمل أيضاً النفط؛ حيث استقر خام برنت (المتحكم الرئيس في كلفة النقل واللوجستيك) تحت عتبة 75 دولاراً للبرميل. ومن الناحية الاقتصادية الصرفة، فإن هذا الهبوط المزدوج يعني شيئاً واحداً: انخفاض حتمي في كلفة الإنتاج على الصعيد الدولي.
2. “سخاء” حكومي منقطع النظير تجاه كبار المستوردين
أمام هذه التقلبات، يوضح التحقيق أن الحكومة المغربية لم تدخر جهداً في إحاطة الشركات الكبرى ومستوردي الأعلاف برعاية استثنائية وبسخاء مالي غير مسبوق بين سنتي 2021 و2025، تجسد في ثلاث خطوات أساسية:
الإعفاءات الضريبية والجمركية: رفع الرسوم والجمرك عن استيراد القمح والذرة لتسهيل التزود.
ضخ ميزانيات ضخمة: تخصيص غلاف مالي ناهز 5 مليارات درهم لدعم الأعلاف والشعير.
الدعم المباشر: تقديم سيولة مالية مباشرة لشركات القطاع بهدف حماية القطيع الوطني من الأبقار والأغنام.
3. الصدمة الكبرى: المعادلة المقلوبة في السوق المغربية
حينما نقل الصحفي عدسة التحليل إلى المبيان الثاني —الذي يوثق فواتير الكسابة الفعليين— اصطدم بواحدة من أكبر المفارقات الاقتصادية التي تكشف لغة الأرقام صدمتها عبر ثلاث محطات زمنية:
ففي سنة 2021 (أي قبل اندلاع الأزمة العالمية)، كان سعر كيلوغرام الأعلاف مستقراً في حدود 2.8 دراهم. ومع حلول سنة 2022 (ذروة الأزمة بسبب الحرب والجفاف)، قفز السعر إلى 5 دراهم، وهو ارتفاع كان متفهماً ومبرراً حيت العالم كامل كان شاعل.
لكن الصدمة الحقيقية تفجرت خلال سنتي 2024 و2025؛ ففي الوقت الذي انخفضت فيه الأسعار عالمياً وضخت الدولة دعماً سخياً، تراجع ثمن الكيلوغرام بشكل طفيف جداً وظل قابعاً في حدود 4 دراهم! هذا الفارق الصارخ يثبت تمنع شركات الأعلاف ورفضها العودة إلى سقف الأسعار القديم، رغبة منها في تأمين هوامش ربح مضاعفة.
خلاصة التحقيق: دعم عمومي في جيوب اللوبيات.. والمواطن يدفع الثمن
يخلص التحقيق الصحفي إلى خلاصة قاتمة وصادمة:
”إن ذلك الدعم المالي الملياري الذي تضخه الدولة من جيوب دافعي الضرائب، وبدل أن يجد طريقه إلى يد الكساب الصغير لخفض أسعار اللحوم في الأسواق الشعبية، تحول إلى درع واقٍ يحمي أرباح اللوبيات الكبرى وبارونات صناعة الأعلاف”.
في المحصلة: وجدت الشركات الكبرى نفسها في وضع “الرابح الأكبر” من كل الجهات؛ تلتهم الدعم الحكومي، تشتري المواد الأولية بأسعار رخيصة من الخارج، وتبيعها بأسعار مرتفعة للمربي المحلي. ونتيجة هذه المعادلة المختلة تكتوي بها الأسر المغربية، بعدما ظلت أسعار اللحوم مشتعلة، ليظل المواطن البسيط —كالعادة— هو الحلقة الأضعف التي تسدد الفاتورة النهائية.