من “السكينة” إلى “الخدمة الإدارية”: تحولات الجنازة بين جلال الذكر وبرود الحداثة

0

#المحور24
​لم تكن الجنازة في أزقة مدننا وقرانا مجرد موكب لتوديع جسد، بل كانت حصّة وعظ صامتة، ومسيرة تضجّ بالهيبة التي تفرض على المارّ التوقف، وعلى المتكلم الصمت. كانت لحظة يذوب فيها الفرد في الجماعة، وتتحد فيها الأصوات تحت راية الحقيقة الوحيدة.
​في الماضي القريب، كانت الجنازة تُحمل على الأكتاف، وكأن الأحياء يأبون إلا أن يلامسوا رحيل رفيقهم حتى اللحظة الأخيرة. كان المشهد مهيباً: وجوه خاشعة، عيون منكسرة، وسكينة تلف المكان. أما الصوت، فكان يرتفع بـ “لا إله إلا الله.. محمد رسول الله”؛ نداء يملأ الفراغ ويُذكر الغافل بأن الدور آتٍ. لم يكن مجرد ترديد، بل كان إيقاعاً يسكن الروع ويُطمئن القلب بأن المرجع واحد.
​مع حلول التسعينات، دخلت على المجتمع رياح من التيارات الفكرية التي انشغلت بـ “قشرة الفعل” لا لُبّه. بدأ الجدل حول “البدعة” والذكر الجماعي، مما أدى تدريجياً إلى خفوت تلك الأصوات الجماعية. ومع انخفاض الصوت، تسلل البرود إلى المشهد؛ فصار الصمت في بعض الأحيان جافاً، يفتقر إلى تلك الحميمة الروحية التي كانت توحد المشيعين في دعاء واحد وصوت واحد.
​لم يتوقف التغيير عند الصوت، بل امتد لوسيلة النقل ولغتها:
– ​السيارات الأولى: كانت تكتفي بكتابة الشهادة، استمراراً لنهج التذكير.
– ​المشهد الحالي: ظهرت سيارات تحمل عبارات إدارية باردة مثل “نقل الأموات”.
​هذا التحول في اللغة يعكس تحولاً أعمق في الوعي؛ فقد انتقلنا من “المقام الروحي” الذي يذكرنا بالمصير، إلى “الإجراء الإداري” الذي يصف الحالة الوظيفية. وكأن الموت صار مجرد “مهمة لوجستية” يجب إنهاؤها، بدلاً من كونه “عبرة” يجب استحضارها.
​رغم كل هذا التغيير في الشكل والوسيلة، تبقى الحقيقة التي يتجاهلها الكثيرون وسط انشغالهم بنقاشات “البدعة” أو “تطور الخدمات”: الجنازة ليست ساحة للجدال الفقهي أو الاستعراض الاجتماعي.
​إن الميت الذي يُحمل اليوم، لا يحتاج لتقييمنا لمدى “شرعية” صوتنا، بل يحتاج لصدق دعائنا. هو في رحلة لا ينفعه فيها إلا “اللهم اغفر له”، ونحن في مشهد لا ينفعنا فيه إلا “الاتعاظ”.
​إن مرور الجنازة يجب أن يظل لحظة “توبة” واختلاء بالذات، لا مجرد “عادة عابرة” نراقب فيها نوع السيارة أو صمت المشيعين.
اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، واجعل مرورنا خلف الجنائز يقظةً لقلوبنا، لا مجرد قطع للمسافات.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.