الإعلام الجزائري تكلم عن تفجير بركان
الإعلام الجزائري تكلم عن تفجير بركان
#المحور24
أثارت العبارات التي صدرت عن بعض المنابر الإعلامية الجزائرية، قبيل المواجهة الكروية بين فريقي نهضة بركان المغربي وشباب قسنطينة الجزائري، موجة من الصدمة والاستغراب، ليس فقط بسبب محتواها الرياضي، بل بسبب لغتها المحملة بدلالات تتجاوز حدود الملاعب.
العنوان الذي أثار الجدل كان حديثهم عن “تفجير بركان”، وهي عبارة تحمل في ظاهرها استعارة رياضية، لكن في سياق العلاقات المتوترة بين المغرب والجزائر، وفي ظل الأوضاع الجيوسياسية الحساسة، تصبح الكلمة عبئاً ثقيلاً على الوعي الجماعي، وقد تُفهم – بل وتُوظّف – على نحو مختلف تماماً.
من المعلوم أن الرياضة يجب أن تكون مجالاً للتقارب، والتنافس الشريف، وبناء الجسور بين الشعوب. لكن حين تُستعمل ألفاظ مشحونة، يمكن أن تُفسّر كتحريض غير مباشر أو كدعوة رمزية للعنف، فإن الأمر يستدعي الوقوف والتفكير. هل كان من الضروري استخدام عبارة مثل “تفجير بركان”؟ ألم يكن بالإمكان الاكتفاء بتعابير مثل “فوز كاسح” أو “تفوق رياضي كبير” دون التورط في معاني ملغومة؟
الكلمة في السياق السياسي لها وزن خاص، خصوصاً أن مصطلحات مثل “تفجير” ترتبط في الوعي الجمعي بمشاهد الإرهاب، والعنف، وعدم الاستقرار. وفي زمن تلعب فيه اللغة دوراً جوهرياً في تأجيج أو تهدئة النفوس، تصبح مثل هذه العبارات خطراً أكثر منها تعبيراً عن الحماسة.
لا شك أن هناك من يرى في هذه العبارات فرصة لتأكيد سردية حول خطورة الخطاب الإعلامي الجزائري، خصوصاً حين يُفهم على أنه يستخدم الرياضة كوسيلة للتصعيد بدل أن تكون أداة للسلام. ولو أراد الإعلام المغربي المضي في هذا الاتجاه، لأمكنه بسهولة ربط هذه اللغة “الناسفة” بأي حادث عرضي يقع، ولو كان مجرد انفجار لقنينة غاز.
المسؤولية الإعلامية تفرض تحكيم العقل وضبط الخطاب. فتحويل اللغة الرياضية إلى ساحة صراع سياسي لا يخدم أحداً، بل يزرع بذور الفتنة بين الشعوب، ويعمق الجراح التي خلفتها السياسة.
ما حدث ليس مجرد خطأ لغوي. إنه انعكاس لطريقة تفكير تفتقر إلى الحساسية في اختيار المفردات، وتعاني من غياب البوصلة المهنية. في الوقت الذي تنتظر فيه الجماهير مباريات ممتعة، تحوّل بعض العناوين إلى قنابل إعلامية موقوتة، قد تُشعل ناراً لا تخمد.
من حق أي إعلام أن يدعم فريق بلاده، وأن يُعبر عن الأمل في الانتصار، لكن دون الانزلاق نحو ألفاظ قد تُفسَّر كدعوات للعنف أو التحريض عليه. فالإعلام، قبل أن يكون أداة للخبر، هو مسؤولية أخلاقية وثقافية واجتماعية.
الرياضة تبني ما تهدمه السياسة أحياناً، لكن حين تتحول هي الأخرى إلى حلبة لتصفية الحسابات، يجب أن ندق ناقوس الخطر. “تفجير بركان” و في سياق العلاقات المتوترة، كلمة خطيرة في معناها وتوقيتها.
يبقى الأمل أن تعود لغة الإعلام، في الجزائر، إلى رشدها، وأن يُترَك للكرة دورها الحقيقي في التقريب بين الشعوب، لا تفجير المسافات بينها.