0

أي مواطن نريد أن تُنتج؟
#المحور24
في الوقت الذي تُحاول فيهالعائلة و المدرسة، بكل ما بقي فيهما من قوة، أن تُحافظا على ما يمكن الحفاظ عليه من وعي وقيم، تُقابل جهودهما بجدار سميك من الابتذال والتفاهة التي تُروّج لها آلة إعلامية انحرفت عن رسالتها الأساسية. هذه الآلة لم تعد تسعى للتنوير أو التثقيف، بل أصبحت أداة فعّالة في إنتاج التفاهة، وتكريس نماذج لا تملك من العمق أو الرسالة سوى ما يضمن لها نسب مشاهدة مرتفعة ومتابعات تُدرّ الإعلانات والأرباح.

يُجاهد الأب/ الأستاذ ، يُلقّن المبادئ، يُعزّز روح الانتماء، ويزرع بذور المعرفة في عقول متعطشة للوعي، لكن هذه الجهود تتكسر يومياً أمام سيل من المحتوى الرديء الذي يبثّ عبر منصات ومنابر إعلامية تروّج لثقافة سطحية، تُقدّم المستفز والمنحل على أنه “نجم” و”مؤثر”، فقط لأنه يُثير الجدل أو يتجاوز الحدود الأخلاقية والاجتماعية باسم “الحرية”.

هذا التناقض يزداد وضوحاً حين نتأمل في كيفية تعامل المسؤولين امع نماذج متناقضة، هنا يتجلّى التواطؤ، لا فقط من الإعلام، بل من دوائر معينة التي تبدو أحياناً وكأنها تُشجّع على إنتاج نموذج المواطن المُفرّغ من كل قيمة، الخاضع، اللامبالي، والمُنبطح أمام كل ما يُقدّم له باسم الترفيه أو “التحرر”.

أما النقابات و الجمعيات ، التي يُفترض أن تكون صوت المُربي والمدافع الأول عن القيم ، فقد تحوّلت في كثير من الحالات إلى كيانات عاجزة، صامتة، أو متواطئة، لا تُحرّك ساكناً أمام هذا الانحدار المُمنهج، وكأنّها قبلت بهذا الواقع المفروض.

وفي ظل إعلام يُروّج في بعضه للانحلال، ويُطبع مع السلوكيات الشاذة، لا يمكن إلا أن نطرح السؤال الأهم: أي مواطن نريد أن تُنتج؟

إذا كان الإعلام هو مرآة المجتمع، فإن ما يُعرض اليوم لا يُعبّر عن قيمه الأصيلة، بل عن مشروع خفيّ لإعادة تشكيل وعيه بما يخدم مصالح لا علاقة لها ببناء الإنسان، بل بإفراغه وتحويله إلى مُستهلك، بلا هوية، بلا موقف، وبلا وعي.
من المسؤول؟
الله يتمم ما بقى على خير

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.