ندوة حول موضوع تدريس الفلسفة بالثانوي التأهيلي، الواقع والآفاق…
شهدت القاعة الرئيسية للمركز الثقافي بمدينة سيدي سليمان ندوة فكرية وتربوية مميزة، اختار لها أعضاء اللجنة المنظمة المكونة من الأستاذ يونس كلة منسقا ومسيرا للندوة والأستاذ محسن رزوق، والأستاذ فؤاد الحداوي، ورئيس الفرع الإقليمي للمركز الوطني لحقوق الإنسان والاعلام والتنمية المستدامة السيد سعيد كنون عنوانا بارزا “تدريس الفلسفة بالثانوي التأهليي ـالواقع والآفاق-، وذلك عشية يومه السبت 28 دجنبر 2024 ابتداء من الساعة 15:00 مساء، واستمرت لغاية 19:30 مساء.

يأتي تنظيم الفرع الإقليمي للمركز الوطني لحقوق الإنسان والاعلام والتنمية المستدامة وبشراكة مع المفتشية الإقليمية لمادة الفلسفة التابعة لمديرية التربية والتعليم الأولي والرياضة ـسيدي سليمان-، في سياق انفتاح واهتمام المركز الوطني لحقوق الإنسان والاعلام والتنمية المستدامة على الشأن الثقافي والتعليمي ومحاولة منه الإسهام في بناء مجتمع مستنير قادر على مناقشة القضايا الفكرية والتربوية والاجتماعية ذات الصلة بمعيشه اليومي، وبناء شخصية المواطن المغربي الفاعل في مجتمعه والمساهم في خلق تنمية ثقافية فكرية حاضنة للأستاذ المثقف والباحث والمنخرط في سيرورة الإصلاح.

عرفت الندوة الفكرية والتربوية مدخلات قيمة ووازنة معرفيا وفكريا وبيذاغوجيا، كانت أولاها مداخلة الدكتور عمر البوكيلي أستاذ الفلسفة بالمدرسة العليا للأساتذة بجامعة مولاي اسماعيل بمكناس، وهو أستاذ باحث في فلسفة التربية والسياسات التعليمية وديداكتيك تدريس الفلسفة، قدم الرجل مداخلة بعنوان ” واقع الدرس الفلسفي ورهان تكوين المدرس”، أشار من خلالها إلى مختلف المشاكل والمطبات التي يعرفها الدرس الفلسفي الراهن، داعيا إلى ضرورة التفكير مأسسة تدريس الفلسفة، وإعادة النقاش والتداول المستمر في تجربة تدريس الفلسفة بالثانوي التأهليي بالمغرب، مختتما مداخلته القيمة بالتساؤل عن ماذا نريد من درس الفلسفة اليوم؟.

فيما كانت المداخلة الثانية للمفتش التربوي لمادة الفلسفة بمديرية التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بسيدي سليمان تحت عنوان ” في الحوار التربوي”، توقف من خلالها مُؤلِّف كتاب كتاب ” مدخل إلى فلسفة الدين” بادئ ذي بدء على التمييز المفهومي بين مفهومي الفلسفة والتفلسف، وكذا تمييزه الدلالي بين معنى المعرفة ومعنى العلم، لينتقل إلى تعريف مفهوم الحوار والتربية كمدخل دلالي لغوي لمداخلته، معتبرا الحوار التربوي تمسيف أي انتقال من الاختلاف إلى الهوية، كون الحوار التربوي يقوم أساسا على مسافة معرفية وبيذاغوجية بين المعلم والمتعلم، فالتدريس حسب مترجم “مدخل إلى الخطابة” تمسيف أي إزالة المسافة بين المعلم والمتعلم، فأخيرا التعريج على عملية النقل الديداكتيكي للمعرفة داخل الممارسة الصفية باعتبارها حوارا وتمسيفا.

أما المداخلة الثالثة فقد كانت من طرف الأستاذ الباحث في فلسفة الدين وديداكتيك تدريس الفلسفة مادة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي الأستاذ محسن رزوق تحت عنوان ” نحو رؤية تجديدية للدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي التأهيلي”، دعا فيها إلى ضرورة انفتاح الدرس الفلسفي على مستجدات المقاربات الفلسفية الراهنة، والتوكيد على دور المدرس في بناء الدرس الفلسفي باعتباره فاعلا فيه، وإعادة الاعتبار لسلطة المدرس المعرفية والقانونية والبيذاغوجية، مسجلا عبر مداخلته غياب روح الفلسفة في درس الفلسفة، ما يعكس نمطية الدرس الفلسفي وغياب تنويع الأنشطة التعليمية للخروج من النمطية، وكذا مشكلة المقرر الدراسي وعدم مسايرته لقضايا العصر، فإعادة التفكير في مسألة لغة تدريس المادة، وإمكانية الانفتاح على النصوص باللغات الأجنبية.

قدم المداخلة الرابعة الأستاذ فؤاد الصمدي مدرس الفلسفة بالثانوي التأهليي والمهتم بالآليات والمناهج المعاصرة في قراءة التراث الإسلامي اختار لها عنوانا ” الحجاج ودوره في بناء الدرس الفلسفي”، ركز من خلالها على اللحظة الثالثة من لحظات بناء الدرس الفلسفي ألا وهي لحظة الحجاج أو المحاجّة، واستعرض خلالها تعريفا دلاليا ولغويا لمفهوم الحجاج في الفلسفة، فالتمييز بين الحجاج والبرهان من حيث البناء والغاية، ليميز بين الاستدلالات والأدلة، موضحا أن الحجاج استراتيجية تقوم على ركائز تروم الاقناع عكس البرهان الذي يروم اليقين.
في حين كانت المداخلة الخامسة بعنوان ” الدرس الفلسفي ورهان التربية على القيم” قدمها الأستاذ عبد الخالق السواني الباحث في بمختبر الدكتوراه الإنسان والمجال في العالم المتوسطي ومدرس الفلسفة بالثانوي التأهليي أشار فيها إلى الإصلاحات التي شهدها درس الفلسفة بالمغرب، وراهن من خلال ورقته على تتبع سؤال هل حقق درس الفلسفة بالمغرب رهان التربية على القيم؟ معتبرا الفشل في تحقيق هذا الرهان يعود إلى عدة اعتبارات ومتدخلين أساسيين في الشأن التربوي والتعليمي بالمغرب، كما رصد مختلف القيم التي تحضر في درس الفلسفة بالثانوي التأهليي.
سادس مداخلة بصمت بعنوان ” تدريس الفلسفة وتعلم التفكير النقدي” لأستاذ الفلسفة بالثانوي التأهليي والحاصل على ماستر الفلسفة والتربية من المدرسة العليا للأساتذة بمكناس الشاب المجد والباحث أنور الزعيم، تطرق من خلالها مرمى التفكير النقدي كمقصد تروم دروس الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي إلى تحقيقه واكسابه للمتعلمين، من خلال تتبع أعمال وطرق تفكير الفلاسفة والمفكرين، والانتصار لروح الفلسفة أي فعل التفلسف كما بلورته الفلسفة الكانطية.
في الختام فتح مسير الندوة الأستاذ يونس كلة النقاش أمام الحضور الكريم من خلالها مداخلات زادت من غنى المداخلات المركزية في الندوة، مع تنصيصه على ضرورة التفكير في نشر المداخلات المسجلة في كتاب جماعي تعميما للفائدة ونشرا للفكرة الأساسية التي دافعت عليها الندوة ألا وهي اخضاع الممارسة الصفية إلى فعل النقد المستمر.