بين ” التبغ” و “الدجاج “: كيف هزت فلسفة “الطيبات” موائد المغاربة ومُعتقداتهم؟
#المحور24
شهدت الساحة الاستهلاكية مؤخراً انقساماً حاداً غيّر خارطة الموائد المغربية، وذلك على خلفية ما بات يُعرف بنظام “الطيبات” (الذي رحل صاحبه وترك خلفه جدلاً حياً). بين مريدين أوفياء اتبعوا تعاليمه كـ “نص قطعي” فامتنعوا عن أكل الدواجن والبيض، وبين مواطنين “براغماتيين” استغلوا هذه المقاطعة الطوعية لينعموا بوجبات دجاج رخيصة وبيض في متناول الجيب، تدور رحى معركة ثقافية واقتصادية فريدة من نوعها.
اليوم، يرفع “الدراويش” والفئات الهشة نداءً مبطناً بالتهكم: “ليستمر أتباع النظام في إيمانهم، ولتبقَ النكتة قائمة، حتى يظل ثمن الدجاج معقولاً والبيض منخفضاً!”. إنها المفارقة التي جعلت من “الزهد الغذائي” للبعض، وفرةً وازدهاراً في موائد البعض الآخر.
إذا أردنا تفكيك هذا النظام الغذائي ومخرجاته بعد رحيل مؤسسه، يمكننا استعراض نقاط القوة والضعف (ما له وما عليه) من خلال ثلاثة محاور رئيسية:
1. “المزاجية العلمية”: الخلط بين الرغبة الشخصية والمنهج الطبي
أكبر سقطات هذا النظام، وفقاً لشهادات مقربين من “الدكتور الراحل”، هي إسقاط الرغبات الشخصية على التصنيفات العلمية. وتفيد المعطيات أن الراحل صاغ قائمة “المسموحات” بناءً على المنتجات التي يفضلها شخصياً، بينما وضع ما يكرهه في خانة “الممنوعات”.
ولعل تجسيد هذه المفارقة يظهر في نقطتين:
حظر الموروث الغذائي: تحريم “البيض البلدي”، “اللبن”، و”السمن والقشدة”، وهي منتجات شكلت عماد صحة الأجداد لقرون، مما يضع علامات استفهام كبرى حول الخلفية العلمية لهذا الحظر.
لغز الكروفيت واللحم الأحمر: تمنى مواطنون لو أن النظام حظر اللحوم الحمراء الملتهبة أسعارها بدل التركيز على “الكروفيت” (القمري) الذي تحدى المنع والقدرة الشرائية معاً، وظل عصياً على الانخفاض.
2. “كارثة التبغ”: سيكولوجية الطبيب المدخن
تظل النقطة الأكثر إثارة للجدل والسخرية في آن واحد، هي “الاستثناء الضريبي” الذي منحه الدكتور للسجائر. ففي الوقت الذي شدد فيه الخناق على أطعمة طبيعية، أفتى بأن “السجائر غير مضرة”، في مفارقة صارخة فسرها الجميع بكونه كان مدخناً شرهاً. لقد شرعن الدكتور إدمانه الخاص، مما أفقد خطابه الطبي جزءاً كبيراً من مصداقيته العلمية وتحول إلى مادة للتندر.
3. الأثر الاقتصادي: “الحملة” كميزان غير مقصود للسوق
من الناحية الاقتصادية، شكل نظام “الطيبات” خدمة غير مقصودة للطبقات المسحوقة. تراجع الطلب من طرف “المؤمنين بالنظام” أحدث وفرة في العرض (البيض والدجاج الرومي)، مما ساهم في خفض الأسعار برضا وبدون تدخل حكومي. إنه “التضامن العكسي” الذي جعل من قناعة فئة معينة، قوتاً يومياً رخيصاً لـ “الدرويش”.
في نهاية المطاف، تبقى القناعات الشخصية حرة؛ فكل شخص يملك كامل الحرية في التصديق أو التكذيب. لكن أمام واقع الأسعار الملتهبة والقفشات التبغية للنظام، لسان حال كاتب هذه السطور والمواطن الواقعي يقول باختصار: “ما كاين غير الدجاج والبيض.. والسلام!”.