بين التواصلي والانتخابي: قراءة تفكيكية في حراك “البام” بدائرة جليز-النخيل
بقلم: المحور 24
شهدت الساحة السياسية بمنطقة “حربيل-تامنصورت” مساء اليوم حراكاً لافتاً، تمثّل في عقد لقاء استقطابي جمع نواباً وأعضاء من مجلس جماعة حربيل، إلى جانب ثلة من فعاليات المجتمع المدني، بالبرلماني عن حزب الأصالة والمعاصرة، محمد الصباري. لقاءٌ، وإنْ دُثِّر برداء “التنسيق الميداني”، إلا أنه يحمل في طياته أبعاداً سياسية واستراتيجية تتجاوز سياقه الزمني الحالي.
يأتي هذا التحرك عقب حسم القيادة الوطنية لحزب “الجرار” في تزكية الصباري وكيلاً للائحة الحزب بدائرة “جليز-النخيل”، معززاً بمحمد الشقيق، رئيس جماعة واحة سيدي إبراهيم، كوصيف له؛ هندسة انتخابية تسعى جاهدة لإعادة ترتيب أوراق في واحدة من أعقد الدوائر الانتخابية بجهة مراكش-آسفي.
يثير حضور مكونات ونواب مجلس جماعة حربيل في هذا التوقيت بالذات قراءات متباينة بين الفاعلين المحليين. فبينما يراه البعض خطوة تواصلية مشروعة، يصنفه آخرون في خانة “الاستقطاب السياسي السابق لأوانه”.
من منظور علم الاجتماع السياسي، تواجه النخب الحزبية في هذه المحطة اختباراً حقيقياً يرتبط بـ “أزمة الثقة”. فالسؤال المطروح اليوم في الأوساط الشعبية بـ “حربيل” ليس مجرد تساؤل عابر، بل هو هواجس تنموية مشروعة:
– هل سيعيد التاريخ نفسه لتجرع الساكنة من الكأس ذاتها المليئة بالوعود الانتخابية المعسولة؟ أم أننا بصدد صياغة “تعاقد سياسي جديد” يقطع مع لغة الشعارات، وينفذ عميقاً نحو الملفات الحارقة للمنطقة؟
إن منطقة حربيل-تامنصورت لم تعد تتحمل مسكنات اللحظة؛ بل هي بحاجة ماسة لالتزامات حقيقية تلامس:
– البنية التحتية الأساسية: وتأهيل الأحياء ناقصة التجهيز.
– المرافق الاجتماعية: من صحة، وتعليم، ومؤسسات لإدماج الشباب.
– التحليل الأكاديمي لخريطة القوى: غياب الموازين وصراع القواعد
من الناحية التحليلية الصرفة، لا يمكن قراءة هذا اللقاء بمعزل عن “الغياب الوازن” لأهم قطبين سياسيين بالمنطقة، واللذين يمتلكان مجتمعين قوة تصويتية صلبة تمثلت في حيازة 12 مقعداً لكل منهما في الاستحقاقات السابقة. هذا الغياب يضعف من الفرضية التي تقول بأن اللقاء حسم الخريطة لصالح “البام”، ويحول المقاربة الحالية إلى مجرد “محاولات استباقية للاستقطاب” قد تنقلب كفتها في أي لحظة مع تغير التحالفات.
علاوة على ذلك، يسقط هذا التحرك في فخ ما يسمى أكاديمياً بـ “التواصل العمودي النخبوي”. فالاعتماد على نخب ترابية أو فاعلين قد يُصنّفون في المتخيل الشعبي كـ “أوراق محروقة” سياسياً، قد يشكل عبئاً انتخابياً عوض أن يكون رافعة للفوز.
إن المراهنة على كسب ثقة المواطن في مغرب اليوم لم تعد تمر بالضرورة عبر “الوساطة التقليدية” أو عبر ترتيبات الغرف المغلقة. الاستراتيجية الأكثر نجاعة واستدامة تتجلى في التواصل المباشر مع القواعد الشعبية، والإنصات لهموم الشارع، وتقديم مشروع سياسي واقعي وقابل للتنفيذ.
في نهاية المطاف، يبقى صندوق الاقتراع هو الفيصل، والوعي الجمعي لساكنة حربيل أضحى محصناً ضد الاستقطابات العابرة، مما يفرض على حزب الأصالة والمعاصرة وباقي الفرقاء السياسيين تحويل “اللقاءات التواصلية” إلى “مشاريع تعاقدية” ملموسة، إن هم أرادوا حقاً نيل تأشيرة المرور نحو قبة البرلمان.