سوق الأربعاء بمراكش !…أضاحي العيد تشتعل و تقفز إلى ما فوق 5000 درهم …..
مراكش – مبعوث الصحيفة
مع اقتراب حلول عيد الأضحى المبارك، يعيش “سوق الأربعاء” الأسبوعي بضواحي مدينة مراكش صباح اليوم على وقع غليان غير مسبوق، بعد أن سجلت أسعار الأضاحي قفزة قياسية تجاوزت معها أسعار بعض الأكباش سقف الـ 5000 درهم. هذا الارتفاع الصاروخي خلّف حالة من الاستياء والاحتقان الشديدين في صفوف المواطنين الذين وجدوا أنفسهم بين مطرقة التقاليد الدينية والاجتماعية، وسندان قدرة شرائية منهكة، معبرين عن صدمتهم من الفجوة الشاسعة بين واقع السوق والوعود الحكومية الرسمية.
وقد استقت عدسة الصحيفة شهادات حية من قلب السوق، حيث أجمع عدد من المرتادين على أن تصريحات وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات الأخيرة—والتي أشار فيها إلى توفر أكباش بـ 1000 درهم—”مجرد كلام للاستهلاك الإعلامي بعيد كل البعد عن حقيقة ما يجري على أرض الواقع”. وعلق أحد المواطنين متهكماً: “لم نجد أي كبش بألف درهم، بل إن هذا المبلغ لم يعد كافياً حتى لشراء (جدي صغير) في سوق اليوم”.
لم يكن هذا الارتفاع وليد الصدفة، بل هو نتاج تداخل مجموعة من العوامل الهيكلية والظرفية التي أسهمت في تأجيج أسعار الأضاحي هذا العام:
– توالي سنوات الجفاف: عانت منطقة مراكش-آسفي، كباقي جهات المملكة، من شح حاد في الأمطار وتراجع مهول في الغطاء النباتي للمراعي الطبيعية، مما دفع الكسابة إلى الاعتماد كلياً على الأعلاف الاصطناعية.
– الارتفاع الصاروخي لتكلفة الأعلاف: شهدت أسعار “التبن”، “النخالة”، و”الفصة” والمواد العلفية المستوردة قفزات قياسية، مما رفع من التكلفة اليومية لتربية وتسمين الماشية، وهو ما ينعكس تلقائياً على سعر البيع النهائي.
– مضاربات “الشناقة” (الوسطاء): يظل السماسرة والوسطاء نقطة سوداء في منظومة التسويق؛ إذ يستغلون غياب قنوات التوزيع المباشرة لإعادة بيع الأضاحي بـ “هوامش ربح خيالية” تنهك جيوب المستهلكين دون أن يستفيد منها الكساب (المنتج الأصلي) بشكل عادل.
– تراجع القطيع الوطني: أدى توالي سنوات الجفاف إلى لجوء العديد من مربي الماشية إلى بيع “النعاج” (الإناث) أو تقليص حجم قطيعهم لعدم قدرتهم على تحمل مصاريف العلف، مما تسبب في تراجع العرض مقارنة بالطلب المتزايد.
تتجاوز أزمة غلاء الأضاحي حدود السوق لتلقي بظلالها على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأسر المغربية، ويمكن إجمال أبرز النتائج فيما يلي:
تتجاوز أزمة غلاء الأضاحي حدود السوق لتلقي بظلالها على الاستقرار الاجتماعي والنفسي للأسر المغربية، وتتجلى أبرز النتائج فيما يلي:
أولاً، استنزاف القدرة الشرائية للمواطنين، حيث أدى هذا الغلاء إلى إنهاك كامل للمدخرات العائلية، واضطرار العديد من الأسر إلى الاقتراض أو اللجوء لقروض الاستهلاك لتأمين الأضحية وتفادي الحرج أمام الأبناء والجيران.
ثانياً، تهديد التماسك الاجتماعي ونمو الضغوط النفسية، إذ تشعر شريحة واسعة من الطبقة الهشة والمتوسطة بالعجز والإحباط نتيجة عدم قدرتها على مجاراة الأسعار الحالية، مما يحول أجواء العيد من فرحة إلى عبء نفسي ثقيل على أرباب الأسر.
ثالثاً، اتساع هوة أزمة الثقة المؤسساتية، حيث ساهم التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي والتطبيق الميداني في تعميق فجوة الثقة بين المواطن والوعود الحكومية، نظراً لغياب الواقعية في تقييم الوزارة المعنية للأسعار الحقيقية بالأسواق الشعبية.
أخيراً، تغير النمط الاستهلالي والاضطرار للمقاطعة، إذ برزت في مراكش توجهات جديدة كشراء اللحم بالتقسيط يوم العيد، أو الاشتراك بين عدة عائلات في “عجل”، بينما فضلت أسر أخرى مقاطعة شعيرة شراء الأضحية بشكل كامل كخطوة احتجاجية واضطرارية في آن واحد.
يتطلب الوضع الراهن بأسواق مراكش وخارجها تجاوز لغة “الطمأنة الشفوية” والنزول الفعلي إلى الميدان عبر تشديد المراقبة على الوسطاء، ودعم الكسابة الصغار بشكل مباشر، لضمان توازن حقيقي يحمي جيوب المواطنين ويصون شعيرة دينية مقدسة من أن تتحول إلى أزمة تؤرق الأسر المغربية.