إيران على صفيح ساخن: احتجاجات تتوسع وشرعية النظام على المحك

0

#المحور24

تعيش إيران واحدة من أكثر لحظاتها توترًا منذ قيام الجمهورية الإسلامية عام 1979، مع تسارع الاحتجاجات الشعبية واتساع رقعتها، في وقت تبدو فيه القيادة السياسية والدينية محاصرة بأزمات داخلية خانقة وضغوط خارجية متصاعدة، ما أعاد إلى الواجهة سؤال الشرعية السياسية للنظام برمّته. أزمة بدأت اقتصادية في ظاهرها، لكنها سرعان ما تحولت إلى رفض سياسي علني وغير مسبوق.
انطلقت شرارة الاحتجاجات قبل أسابيع من أسواق العاصمة طهران، على خلفية الانهيار الحاد في قيمة الريال الإيراني، وارتفاع معدلات التضخم إلى مستويات قياسية تجاوزت 40 في المائة. غير أن الغضب لم يلبث أن خرج من الإطار المعيشي الضيق، ليتحول إلى موجة احتجاج وطني شملت مختلف الأقاليم، واجتذبت فئات اجتماعية جديدة، في مقدمتها فئة الشباب.
الهتافات التي صدحت في شوارع طهران وفي الأقاليم الإحدى والثلاثين للبلاد تجاوزت المطالب الاقتصادية، لتصل مباشرة إلى رأس هرم السلطة، عبر شعارات من قبيل “الموت للدكتاتور”، بل وذهب بعض المتظاهرين إلى ترديد هتافات تُشيد بنظام الشاه السابق، في مؤشر على عمق التحول في المزاج الشعبي.
ورغم أن حجم الاحتجاجات لم يبلغ بعد ذروة ما عرفته البلاد في خريف 2022 عقب وفاة مهسا أميني، فإن توقيتها وسياقها، واتساع قاعدة المشاركين فيها، يجعل منها أخطر تحدٍّ داخلي تواجهه السلطات الإيرانية منذ سنوات.
صباح اليوم الجمعة، أقدمت السلطات الإيرانية على قطع الإنترنت بشكل شبه كامل على الصعيد الوطني، ما أدى إلى شلل في عمل وسائل الإعلام، وتعذر إجراء المكالمات الدولية، إضافة إلى إلغاء عدد من الرحلات الجوية، خصوصًا القادمة من دبي إلى مدن إيرانية كبرى.
وبررت السلطات هذه الخطوة بكونها “إجراءً أمنيًا لمنع الفوضى”، في حين اعتبرها معارضون في الخارج محاولة لعزل الإيرانيين عن العالم تمهيدًا لتشديد القبضة الأمنية.
ووفق معطيات منظمة “هرانا” الحقوقية، فقد سقط ما لا يقل عن 34 متظاهرًا و4 من عناصر الأمن، فيما تجاوز عدد المعتقلين 2200 شخص منذ اندلاع الاحتجاجات.
وأظهرت صور بثتها وسائل إعلام رسمية حرائق وأعمال تخريب طالت محطات مترو ومؤسسات بنكية وسيارات في مدن من بينها رشت وأصفهان وكرج، في مشاهد وصفها مراسل التلفزيون الرسمي بأنها “أقرب إلى منطقة حرب”.
في خطاب شديد اللهجة، حمّل المرشد الأعلى علي خامنئي المحتجين مسؤولية “العمل بالنيابة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب”، معتبرًا أن “مثيري الشغب دمّروا ممتلكات الدولة والمواطنين لإرضاء ترامب”. وأضاف أن “هؤلاء المرتزقة لا يمثلون الشعب الإيراني”، متوعدًا بـ“التعامل بحزم” مع كل من يشارك في ما وصفه بـ“مشروع الفوضى الموجه من الخارج”.
كما هاجم خامنئي الولايات المتحدة، واصفًا إياها بـ“العاجزة عن إدارة شؤونها”، داعيًا الرئيس الأمريكي إلى “الانشغال بأوضاع بلاده بدل التحريض ضد إيران”.
وكان ترامب قد لمح في تصريحات سابقة إلى احتمال التدخل في حال لجأت قوات الأمن الإيرانية إلى “عنف مفرط”، رغم تأكيده أنه لا يخطط للقاء رضا بهلوي، نجل الشاه الراحل، أو دعمه في الوقت الراهن.
اقتصاديًا، لا تبدو المؤشرات في صالح طهران، في ظل العقوبات التي أُعيد فرضها منذ خريف 2025 على خلفية الملف النووي، والتي تنذر بمزيد من التدهور في الوضع المعيشي. ويتزامن ذلك مع تراجع النفوذ الإقليمي الإيراني، بعد الضربات التي تعرضت لها أذرعها في غزة ولبنان واليمن.
هذا التداخل بين الانهاك الداخلي والضغط الخارجي يعيد طرح سؤال جوهري: هل ما زالت “الجمهورية الإسلامية” قادرة على الصمود بالآليات ذاتها التي حكمت بها لعقود؟
خطاب خامنئي الأخير يوحي بأن السلطة لا تفكر في تقديم تنازلات سياسية، بل تتعامل مع ما يجري بمنطق أمني صرف، وتضعه في خانة “الحرب الناعمة” التي لطالما حذرت منها.
تجمع تحليلات عدة على أن ما تشهده إيران يتجاوز كونه أزمة عابرة، ليصل إلى لحظة مفصلية تمس جوهر شرعية النظام. ففئة الشباب، التي تشكل أكثر من نصف سكان البلاد، لم تعد ترى في شعارات الثورة معنى يلامس واقعها اليومي.
ويجسد ذلك الشعار الذي تكرر في المظاهرات: “لا غزة، لا لبنان، حياتي من أجل إيران”، والذي يُقرأ كاحتجاج صريح على سياسات النظام الخارجية على حساب الداخل.
من جهتها، دعت قوى المعارضة الإيرانية في الخارج، رغم تشرذمها، إلى “نزول حاسم للشارع”، فيما قال رضا بهلوي إن “أنظار العالم تتجه إلى الإيرانيين”، داعيًا إلى مواصلة الاحتجاج.
في المقابل، عبّرت عواصم أوروبية عن قلقها من “الرد العنيف” على المتظاهرين، مطالبة طهران بضبط النفس. أما الداخل الإيراني، فيبدو غارقًا في عزلة متزايدة، مع انقطاع الاتصالات، وتقييد حركة الطيران، وانسداد أفق الحل السياسي، في مشهد ينذر بمزيد من التصعيد في الأيام المقبلة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.