مراكش تجمع كبار المسؤولين القضائيين والأمنيين لتجويد البحث الجنائي ومواكبة مستجدات المسطرة الجنائية التي أقرها القانون رقم 03.23
#المحور24
شهدت مدينة مراكش يومي 2 و3 يوليوز 2026 انعقاد لقاء وطني تنسيقي حول موضوع “آليات تجويد البحث الجنائي في ضوء مستجدات قانون المسطرة الجنائية”، نظمته رئاسة النيابة العامة بشراكة مع المديرية العامة للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، حضره الوكلاء العامون للملك وولاة الأمن ورؤساء الأمن الجهوي والإقليمي للأمن الوطني والمسؤولون الجهويون للدرك الملكي.
وقد شكل هذا اللقاء، محطة هامة لتدارس عدد من المقتضيات الجديدة ذات الصلة بالبحث الجنائي، ولا سيما ما يتعلق بتدبير الشكايات والوشايات، وترشيد الإجراءات المقيدة للحرية، والأبحاث المالية الموازية، وتقنيات البحث الخاصة المستحدثة، وذلك بما يضمن حسن تنزيل هذه المستجدات على مستوى الممارسة العملية، وتوحيد الفهم بشأنها، وتفادي تباين التأويل أو اختلاف الإجراءات، وتعزيز الأمن القانوني والقضائي.
وقد عرف اللقاء تنظيم أربع جلسات موضوعاتية تناولت تقييم حصيلة التنسيق المؤسساتي، ومستجدات الإجراءات المقيدة للحرية، والأبحاث المالية الموازية، إلى جانب تقنيات البحث الخاصة التي استحدثها القانون الجديد لمواكبة تطور أنماط الجريمة.
خصصت الجلسة الأولى لتقييم جهود التنسيق المؤسساتي ومتابعة تنفيذ توصيات ومخرجات اللقاءات السابقة، باعتبار أن أي تنزيل سليم للمستجدات التشريعية يقتضي، في البداية، الوقوف عند الحصيلة السابقة، وتثمين المكتسبات المحققة، ورصد ما قد يظل مطروحا من صعوبات عملية، حتى يشكل التقييم أرضية صلبة للانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل المشترك.
وقد مكنت هذه الجلسة من إبراز أهمية التنسيق القائم بين رئاسة النيابة العامة ومصالح الشرطة القضائية في تحسين مؤشرات تدبير الشكايات والمحاضر، وتتبع إنجاز الأبحاث، وتقليص المخلف، ومراجعة برقيات البحث، فضلا عن تأكيد الحاجة إلى مواصلة العمل بمنهجية قائمة على المراقبة المنتظمة، والتقييم المستمر، وتبادل المعطيات، والبحث المشترك عن الحلول العملية.
أما الجلسة الثانية، فقد خصصت لمستجدات قانون المسطرة الجنائية المنظمة للإجراءات المقيدة للحرية، وهي مستجدات تكتسي أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها المباشر بحماية حقوق وحريات الأشخاص، من خلال ضمان شرعية الإجراءات، وحسن تدبير الحراسة النظرية، وتفعيل الضمانات القانونية المقررة للأشخاص المعنيين بهذه الإجراءات. وقد انصب النقاش، خلال هذه الجلسة، على كيفية تنزيل هذه المقتضيات الجديدة بما يحقق التوازن بين متطلبات نجاعة البحث الجنائي وضرورات صون الحقوق والحريات.
فيما خصصت الجلسة الثالثة لتدارس المستجدات المرتبطة بتدبير الأبحاث المالية الموازية، باعتبارها إحدى الآليات الأساسية لتعزيز فعالية السياسة الجنائية في مواجهة الجرائم ذات البعد المالي والاقتصادي، ولا سيما الجرائم المنظمة وغسل الأموال والاتجار غير المشروع في المخدرات وغيرها من الجرائم التي تقتضي تتبعا ماليا موازيا للكشف عن العائدات الإجرامية وضبط مساراتها. وقد أبرزت المناقشات أهمية تطوير قدرات النيابات العامة وضباط الشرطة القضائية في مجال البحث المالي، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، وتوحيد منهجيات العمل في هذا المجال الدقيق.
أما الجلسة الرابعة، فقد تناولت المستجدات المنظمة لتقنيات البحث الخاصة، بالنظر إلى ما أصبحت تطرحه الجريمة من تحديات عملية وتقنية، وما تقتضيه مواجهتها من وسائل بحث حديثة مؤطرة بالقانون، تحترم الضمانات الأساسية، وتضمن في الوقت نفسه فعالية التحريات وجمع الأدلة. وقد شكلت هذه الجلسة مناسبة لتدارس شروط استعمال هذه التقنيات، وضوابطها القانونية، ومجالات التنسيق بين النيابة العامة ومصالح الشرطة القضائية بشأنها.
وفي ختام اللقاء، خلصت أشغاله إلى مجموعة من التوصيات الرامية إلى تعزيز فعالية الأبحاث الجنائية وتطوير التنسيق بين مختلف المتدخلين، أبرزها:
تعزيز التنسيق المؤسساتي بين رئاسة النيابة العامة والمديرية العامة للأمن الوطني ومراقبة التراب الوطني وقيادة الدرك الملكي عبر اجتماعات دورية ومنتظمة.
إحداث آلية مركزية مشتركة لتلقي الإشكالات العملية والقانونية ودراستها وإصدار توجيهات موحدة بشأنها.
تحيين الدليل العملي لتجويد الأبحاث الجنائية بما ينسجم مع مستجدات قانون المسطرة الجنائية.
تسريع مشاريع الرقمنة والتبادل الإلكتروني للمعلومات بين النيابات العامة ومصالح الشرطة القضائية.
تنظيم دورات تكوينية جهوية مشتركة لفائدة القضاة وضباط الشرطة القضائية حول المستجدات القانونية.
وفي مجال تدبير الشكايات والأبحاث:
إعداد دليل استرشادي للآجال الخاصة بإنجاز الأبحاث والإجراءات القضائية.
الحرص على وضوح تعليمات النيابة العامة وتدقيقها لتفادي إعادة المحاضر لاستكمال البحث.
تعزيز آليات تتبع الشكايات والمحاضر المتأخرة ومعالجة أسباب التأخير.
تسريع إنجاز الخبرات العلمية والتقنية عبر آليات خاصة للتتبع والتنسيق.
وفي ما يتعلق بالإجراءات المقيدة للحرية:
التأكيد على الطابع الاستثنائي للحراسة النظرية والاحتفاظ بالأحداث.
تعليل قرارات تمديد الحراسة النظرية وتحديد الإجراءات المطلوب إنجازها.
مراجعة وتحيين برقيات البحث والتأكد من استمرار مبرراتها القانونية.
تعزيز التنسيق في حالات تعدد برقيات البحث الصادرة في حق الشخص نفسه.
أما في مجال الأبحاث المالية الموازية:
تطوير التكوين المتخصص في تتبع العائدات الإجرامية والعملات الرقمية.
اعتماد نماذج موحدة لمحاضر الأبحاث المالية وتتبع الأموال المحجوزة.
تعزيز التعاون مع المؤسسات البنكية والمالية لتسريع الحصول على المعطيات الضرورية.
الحرص على حماية حقوق الغير حسن النية عند اتخاذ إجراءات الحجز والتجميد.
وفي مجال تقنيات البحث الخاصة:
تكثيف التكوين حول تقنيات البحث الحديثة وشروط استخدامها القانونية.
إعداد دلائل عملية خاصة بتحديد المواقع واعتراض الاتصالات والتقاط الصور والأصوات.
تعزيز التنسيق مع شركات الاتصالات والمؤسسات التقنية لتسريع تنفيذ الأبحاث.
اعتماد آليات موحدة لحفظ الأدلة الرقمية وتوثيقها وضمان سلامتها القانونية.
كما أوصى المشاركون بإعداد دلائل مرجعية لتدبير الشكايات والمحاضر واحترام الآجال المعقولة، وتوحيد الممارسات المرتبطة بالحراسة النظرية والإجراءات المقيدة للحرية، مع التأكيد على ضرورة ترشيد اللجوء إليها وضمان احترام قرينة البراءة.
وفي الجانب المالي، شددت التوصيات على تعزيز قدرات قضاة النيابة العامة وضباط الشرطة القضائية في مجال الأبحاث المالية الموازية، خاصة ما يتعلق بتتبع العائدات الإجرامية والعملات الرقمية والأموال العابرة للحدود، إلى جانب تطوير التنسيق مع المؤسسات البنكية والمالية المختصة.
أما في مجال تقنيات البحث الخاصة، فقد دعا اللقاء إلى تكثيف التكوين المستمر، وإعداد أدلة عملية موحدة لتفعيل الآليات الجديدة، وتعزيز التنسيق مع شركات الاتصالات والمؤسسات التقنية المختصة، بما يضمن فعالية التحريات واحترام الضمانات القانونية.
كما تم التأكيد على مواصلة هذا النهج التشاركي بين مختلف مكونات العدالة الجنائية، والعمل على تنزيل مقتضيات قانون المسطرة الجنائية بشكل موحد وفعال، بما يعزز جودة البحث الجنائي ويرسخ الثقة في العدالة ويحمي الحقوق والحريات.