المغرب وعودة الـتبذير: هل نسي المغاربة مرارة “سنوات الجفاف”؟
#المحور 24
على الرغم من الانتعاشة الملحوظة التي طبعت الوضع المائي في المغرب خلال السنة الجارية بفضل الغيث والوجبات الثلجية السخية، يبدو أن ذاكرة الكثير من المواطنين قصيرة؛ إذ سرعان ما تبخرت مرارة الأزمة الحانقة التي عاشتها المملكة جراء شح الموارد وتوالي سنوات الجفاف العجاف.
ومع اقتراب فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، بدأت تطفو على سطح المدن والحواضر، كما في الحقول والمناطق القروية، سلوكيات وممارسات تعكس استهتاراً واضحاً وسوء تدبير في التعامل مع هذه المادة الحيوية. فبعدما كان سكان المناطق النائية و”المغرب العميق” يكابدون الصيف الماضي مشقة البحث عن جرعة ماء، عادت اليوم مظاهر الهدر غير المسؤول لتتألق في واجهات الفيلات، ومحلات غسل السيارات، وتنظيف المقاهي والأزقة بشكل يومي، فضلاً عن المسارعة لملء المسابح وتجديد مياهها بترف لافت.
أمام هذا المشهد، يدق الخبراء ناقوس الخطر، مؤكدين أن الوفرة الراهنة لا تعني مطلقاً التراخي أو “الاسترخاء المائي”، بل تفرض تعزيز اليقظة وتسريع وتيرة الإصلاحات الهيكلية المرتبطة بالأمن المائي للمملكة.
في قراءته للوضعية الحاليةنقول أن التساقطات الأخيرة نجحت في تأمين مخزون مائي استثنائي، بعدما تخطت نسبة ملء السدود عتبة 75 في المائة؛ وهو مؤشر يتجاوز خط الأمان المائي للبلاد و الرداء الأبيض غطى نحو 57 ألف كيلومتر مربع في المرتفعات، خاصة بالأطلسين الكبير والمتوسط.
هذه الثلوج تمثل “شريان حياة” يغذي الفرشات المائية الباطنية والوديان والبحيرات، ويوفر طوق نجاة للعيون والمناطق التي عانت طويلاً من العطش. ومع ذلك هذه الأرقام الإيجابية “لا تعفي من الاستمرار في حماية الثروة المائية” لأن الندرة تظل هي القاعدة الثابتة في المغرب بالنظر إلى طبيعته الجغرافية والمناخية كبلد جاف وشبه جاف.
أما تحلية مياه البحر كخيار محوري لتخفيف الضغط عن المياه التقليدية في المدن الساحلية، وتحويلها لدعم القطاع الفلاحي قد يضمن السيادة الغذائية للبلاد ويداوي جراح الخسائر التي خلفتها سنوات الجفاف الأخيرة. في وقت تكون فيه وضعية جهة سوس ماسة التي استُنزفت فرشاتها المائية، مما يستدعي منحها فترة “نقاهة طبيعية” والاعتماد كلياً على التحلية وإعادة تدوير المياه العادمة.
إن التحدي الأكبر اليوم يكمن في غرس “ثقافة الاقتصاد المائي” في وعي المواطن طوال السنة؛ فالتقلبات المناخية حادة ولا يمكن التنبؤ بما تخبئه المواسم المقبلة. و على وسائل الإعلام والمجتمع المدني التعبئة الشاملة، لأن قضية الماء تجاوزت البعد البيئي البسيط لتصبح “قضية أمن قومي واستراتيجي للمملكة” تستوجب حماية كل قطرة باعتبارها ذخيرة للمستقبل.