.​من برد الشتاء إلى لهيب الصيف: رحلة الفلاح المغربي بين قلة المكننة وأزمة اليد العاملة

0

​بقلم: المحور24
​في غمرة الحماس وأمل الأرض، ينغمس الفلاح في موسم الحرث بكل جوارحه؛ يتماهى مع المحراث، ينسى التعب، ويسابق الزمن لقلب التربة ونثر البذور، تحذوه رغبة عارمة في رؤية حقوله تكتسي خضرةً وجمالاً. لكن هذا الشغف الخريفي والشتوي سرعان ما يصطدم بصخرة الواقع المرير مع حلول فصل الصيف، حيث يبدأ “العناء الحقيقي” وتتحول فرحة السنابل الذهبية إلى هواجس تقض مضاجع المزارعين.
​مع اشتداد الحرارة، يواجه القطاع الفلاحي المعيشي أزمة خانقة تتكرر كل سنة: ندرة حادة في اليد العاملة المؤهلة لحصاد محصول القمح، يقابلها ارتفاع صاروخي في تكلفة أجور العمال القلائل المتاحين. تزداد هذه المعاناة تعقيداً في المناطق ذات التضاريس الوعرة والمحاصرة بالجبال، حيث يصبح الاعتماد على “الحصّادة الآلية” ضرباً من المستحيل، ليكون “المنجل” والساعد البشري هما الوسيلة الوحيدة لإنقاذ المحصول قبل أن تأتي عليه نيران الصيف أو تقلبات الطقس.
تفاصيل ما وراء أزمة الحصاد؟
​لعل هذه الصرخة النابعة من قلب الحقول تختزل ثلاثة إشكاليات بنيوية عميقة تواجه الفلاحة الصغرى والمتوسطة اليوم:
– ​يعيش الفلاح على إيقاع سيكولوجي متباين؛ فمرحلة الحرث هي مرحلة “عطاء واستثمار وأمل”، يقل فيها التفكير في العقبات المستقبلية مدفوعاً بـ”نشوة الأرض”. أما مرحلة الصيف فهي مرحلة “قطف الثمار” التي تتطلب لوجستيكاً وسرعة فائقة، وهنا تظهر الفجوة بين التخطيط العاطفي والواقع العملي.
– ​تُبرز التضاريس الوعرة تفاوتاً صارخاً في الاستفادة من التطور التكنولوجي. فبينما تحصد الآلات الحديثة مئات الهكتارات في السهول المستوية خلال ساعات وبأقل التكاليف، تظل الحقول الجبلية والمنحدرات رهينة المجهود العضلي البدائي، مما يرفع تكلفة الإنتاج ويقلل من تنافسية الفلاح الصغير.
– ​تعكس عبارة “الخدامة والو” أزمة ديموغرافية واجتماعية حقيقية؛ حيث أدى عزوف الشباب عن العمل الشاق في الحقول، وتفضيلهم الهجرة نحو المدن أو البحث عن فرص في قطاعات أخرى (كالبناء أو الخدمات)، إلى تجفيف منابع اليد العاملة الفلاحية التقليدية، مما جعل العمال المتبقين يفرضون شروطاً مالية تفوق أحياناً القدرة الربحية للمزارع.
إن الصيف في قواميس المزارعين لم يعد فصلاً للاحتفال بالحصول، بل غدا امتحاناً عسيراً واختباراً للصبر. وأمام هذه التحديات الجسيمة، لا نملك إلا أن نرفع القبعة تقديراً لـ “جنود الأرض” الذين يطعمون الوطن من عرق جبينهم، سائلين الله عز وجل أن يكون في عون كل فلاح، وأن يبارك لهم في محصولهم، ويديم عليهم الصبر والقوة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.