​شاحنات المغرب في “ممرات الموت”: مغامرة السائقين بين نيران مالي ووعورة البدائل

0

#​المحور24 – خاص
​لم تعد لقمة العيش لمهنيي النقل الدولي بالمغرب مجرد رحلة تجارية عبر القارة السمراء، بل تحولت إلى “روليت روسية” تضع حياة السائقين على كف عفريت. فبين مطرقة الحروب المشتعلة وسندان الطرق البديلة الوعرة، يجد السائق المغربي نفسه مجبراً على خوض مغامرات غير محسوبة العواقب.
​في هذا السياق، دقت تنظيمات نقابية ناقوس الخطر، محذرة من توجه متزايد لعدد من سائقي الشاحنات المغاربة نحو سلك مسالك برية بديلة هرباً من جحيم الحرب في مالي. هذا المسلك الجديد، الذي بات يُعرف في أوساط المهنيين بـ”طريق المشاق الكبرى”، يمثل تهديداً مباشراً لسلامة السائقين وحمولاتهم على حد سواء.
​منذ أن اندلعت شرارة التوترات الأمنية في مالي، والتي شلت الحركة التجارية الاعتيادية، وجد السائقون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما التوقف وتكبد خسائر مالية فادحة، أو البحث عن شريان حياة جديد. هذا الشريان تجسد في خط بري يربط بين موريتانيا، السنغال، وغينيا بيساو.
​لكن هذا البديل ليس نزهة؛ فالطريق تفتقر إلى أدنى مقومات السلامة الطرقية، وتتميز بتضاريسها القاسية وظروفها المناخية والأمنية المعقدة، مما يجعلها، بحسب وصف النقابات، “مخاطرة حقيقية واستهتاراً صارخاً بالسلامة المهنية”.
​وفي تصريح يعكس حجم القلق السائد، كشف الشرقي الهاشمي، الكاتب العام الوطني للاتحاد العام لمهنيي النقل الدولي والوطني، عن هذا التحول الاضطراري في مسارات الشاحنات. ووصف الهاشمي هذا الممر البري الثلاثي (موريتانيا-السنغال-غينيا بيساو) بأنه “مشحون بالمشاق الكبيرة وصعب للغاية”، مؤكداً أن السير فيه أشبه بالمشي على حبل مشدود فوق هاوية.
​تحمل هذه الواقعة أبعاداً تتجاوز مجرد تغيير خط سير شاحنة، ويمكن تفكيكها إلى ثلاثة محاور أساسية:
​1. الأمن الاقتصادي مقابل الأمن البشري
​يعكس سلوك السائقين معضلة كلاسيكية في قطاع النقل الدولي؛ حيث يضغط أصحاب الرساميل والالتزامات التجارية من أجل استمرار تدفق البضائع نحو الأسواق الإفريقية للحفاظ على الحصص السوقية. هذا الضغط الاقتصادي يدفع الحلقة الأضعف (السائقين) إلى قبول مجازفات خطيرة، وتفضيل المغامرة بالسلامة الجسدية على خسارة مصدر الرزق.
​2. غياب البدائل اللوجستية الآمنة
​تظهر الأزمة هشاشة خطوط الإمداد البرية نحو عمق إفريقيا جنوب الصحراء عند حدوث اضطرابات جيوسياسية. فبمجرد اشتعال نقطة واحدة (مالي)، يضطر الأسطول المغربي إلى قطع مسافات أطول بآلاف الكيلومترات عبر ثلاث دول (موريتانيا، السنغال، غينيا بيساو) في طرق غير مهيأة بنيوياً لاستيعاب الشاحنات الثقيلة، مما يرفع كلفة الصيانة، ويزيد من استهلاك الوقود، ويهدد بتهالك الشاحنات.
​3. صرخة النقابات: من التحذير إلى طلب الحماية
​التحذير الصارم من النقابات والاتحادات المهنية، وعلى رأسها تصريح الشرقي الهاشمي، ليس مجرد توصيف للمشكلة، بل هو رسالة مشفرة إلى الجهات الحكومية والشركاء الاقتصاديين. تهدف النقابات من خلال هذا الصخب الإعلامي إلى:
– ​رفع المسؤولية القانونية والأخلاقية عن السائقين في حال حدوث كوارث.
– ​الضغط من أجل إيجاد حلول ديبلوماسية أو تأمين ممرات إنسانية وتجارية آمنة.
– ​مطالبة شركات التأمين والشركات المصدرة بمراعاة هذه الظروف الاستثنائية وعدم فرض شروط تعجيزية على الناقلين.
إن قطاع النقل الدولي المغربي نحو إفريقيا يعيش اليوم اختباراً حقيقياً لمرونته؛ فاختيار “طريق المشاق” قد يضمن تدفق البضائع مؤقتاً، لكنه كنزف بشري ولوجستي لا يمكن أن يستمر طويلاً دون تكلفة باهظة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.