​بين الكذب والتوثيق: زيف صور “طائرات إخماد الحرائق” في الجزائر

0

#المحور24
​منصات التواصل الاجتماعي تقع مجدداً في فخ “التضليل البصري”.. كيف كشفت التفاصيل الدقيقة الحقيقة كاملة؟
​في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار عادةً نحو الجهود الميدانية لمكافحة حرائق الغابات، شهدت منصات التواصل الاجتماعي خلال الساعات الماضية موجة متصاعدة من التداول لصور طائرات مُخصصة لإخماد النيران، سارع مروجها إلى نسبتها لجهود الإنقاذ في الجزائر. غير أن المراجعة الرقمية والتحقق الجنائي البصري سرعان ما وضعا حدًا لهذه المزاعم، كاشفين عن زيف الرواية المنتشرة.
​كشفت عملية التتبع الرقمي أن الصورة اقتُطعت كلياً من سياقها الجغرافي؛ فهي لم تُسجل في أي مطار أو مدرج جزائري، بل تعود أصولها إلى مطار “وندربوم” (Wonderboom Airport) الواقع بمدينة بريتوريا في جنوب أفريقيا.
​ولم تتوقف أدلة التفنيد عند تحديد الموقع الجغرافي للمطار فحسب، بل امتدت لتشمل “البصمة التوثيقية” الظاهرة على جسم الطائرات؛ حيث يظهر بوضوح اسم وشعار شركة “Xcalibur Smart Mapping”—وهي مؤسسة جنوب أفريقية رائدة متخصصة في مجالات المسح الجوي والاستشعار عن بُعد، ولا علاقة لها بعمليات الإطفاء الميداني المباشر، مما يقطع الشك باليقين ويفند الرواية المتداولة جملة وتفصيلاً.
​لا تُعد هذه الحادثة مجرد خطأ عابر، بل تعكس آليات تزييف الفضاء الرقمي في أوقات الأزمات، والتي يمكن تحليلها عبر المحاور التالية:
​1. سيكولوجية التداول في الأزمات (Emotional Engagement)
​استغلال التعاطف: تعتمد المواد المضللة المتعلقة بالحرائق والكوارث على شحن عواطف المتابعين. يتم نشر صور ذات طابع إيجابي (مثل وصول طائرات حديثة) لإعطاء أمل زائف أو صناعة “تريند” حماسي يضمن مشاركة واسعة (Shares) دون التثبت من المصدر.
​2. التضليل بسياق الصورة (Decontextualization)
​لم تُصنع الصورة عبر الذكاء الاصطناعي، بل هي صورة حقيقية تم جلبها من بيئة أخرى (Context Collapse). هذا التكتيك هو الأكثر شيوعاً لأنه يصعب كشفه على المستخدم العادي الذي يكتفي بالنظرة السطحية للخبر.
​3. غياب الثقافة الرقمية في التدقيق (Media Literacy Gap)
​كشفت الواقعة أن تفصيلاً صغيراً (مثل شعار شركة أو اسم المطار) كان كافياً لهدم الرواية المزيفة بالكامل. يعكس هذا أهمية تدقيق العناصر الثانوية في الصورة (Background Details) كعلامات الشركات، لوحات السيارات، أو هندسة المباني.
إن مواجهة الأخبار الزائفة لم تعد تقتصر على النفي الرسمي فقط، بل تتطلب معالجة صحفية سريعة تستند إلى أدوية التحقق الرقمي (OSINT) لتفكيك ادعاءات “التضليل البصري” وإعادة بناء ثقة القارئ بالمحتوى الموثوق.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.