قمة نيودلهي.. “بريكس” ترسم ملامح نظام عالمي جديد من بوابة الشرق الأوسط وإصلاح المؤسسات الدولية
#المحور24 نيودلهي – وكالات
أصدرت مجموعة “بريكس” بيانها الختامي لقمة نيودلهي، والذي جاء بمثابة خارطة طريق سياسية واقتصادية طموحة، تعكس السعي الحثيث للمجموعة لإعادة توازن القوى العالمي. ولم تكتفِ القمة بمناقشة الملفات الاقتصادية البينية، بلطرحت مواقف جيوسياسية حاسمة تجاه أزمات الشرق الأوسط، مشددة على ضرورة إصلاح المنظومة الدولية وإنهاء الهيمنة الأحادية.
أبرز مقررات البيان الختامي:
الملف اللبناني والفلسطيني: طالبت المجموعة إسرائيل بالانسحاب الفوري من الأراضي اللبنانية، وأكدت دعمها الكامل لتأسيس إدارة فلسطينية موحدة تبسط سيادتها على قطاع غزة والضفة الغربية معاً.
الأزمة السورية: جددت القمة التزامها الصارم باحترام سيادة سوريا واستقلالها ووحدة أراضيها.
النظام الاقتصادي العالمي: أعلنت المجموعة رفضها القاطع للعقوبات الأحادية الجانب التي تُفرض خارج مظلة مجلس الأمن الدولي، وانتقدت السياسات الحمائية والتدابير الضريبية التي تخالف قواعد منظمة التجارة العالمية.
إصلاح المؤسسات الدولية: دعت القمة إلى إصلاح جذري لمنظمة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مع ضرورة زيادة حصص وتمثيل الدول النامية في صندوق النقد والبنك الدوليين.
الجنوب العالمي والأمن: أكد البيان على الدور القيادي لـ “الجنوب العالمي” في صياغة التحولات الدولية المستقبلية، مع إدانة حاسمة للإرهاب والتطرف بكافة أشكالهما.
ماهي أبعاد بيان نيودلهي ودلالاته؟
لا يمكن قراءة بيان “بريكس” الأخير كإعلان نوايا تقليدي، بل هو مؤشر تحول بنيوي في العقيدة السياسية للمجموعة، ويمكن تفكيك أبعاده عبر ثلاثة محاور رئيسية:
1. الاندفاع نحو الجيوسياسة وسد الفراغ في الشرق الأوسط
دخول “بريكس” بقوة على خط الأزمتين اللبنانية والفلسطينية، والمطالبة بإدارة فلسطينية موحدة لغزة والضفة، يمثل تحدياً مباشراً للمقاربة الأمريكية الفردية في المنطقة. هذا الموقف يعكس رغبة القوى الصاعدة (مثل الصين وروسيا ومحيطها) في تقديم نفسها كراعٍ دولي بديل وأكثر توازناً لقضايا الشرق الأوسط، مع التأكيد على مرجعية القانون الدولي وسيادة الدول (كما في الحالة السورية).
2. معركة “الجنوب العالمي” ضد الهيمنة الغربية
استخدام مصطلح “الجنوب العالمي” والتركيز عليه ليس مجرد شعار، بل هو محاولة لشرعنة قيادة “بريكس” للدول النامية. تطالب المجموعة بإعادة هيكلة المؤسسات المالية (صندوق النقد والبنك الدولي) والسياسية (مجلس الأمن) لأنها ترى أن الهيكل الحالي يخدم مصالح القوى الغربية التي صاغته بعد الحرب العالمية الثانية، ولا يعكس موازين القوى الحالية في عام 2026.
3. الحرب الاقتصادية المضادة: رفض “السلاح المالي”
إن إدانة العقوبات الأحادية والسياسات الحمائية تكشف عن القلق المشترك لأعضاء “بريكس” من استخدام واشنطن وحلفائها للاقتصاد والـدولار كـ “سلاح سياسي” (Weaponization). من خلال هذا الموقف، تؤسس المجموعة لشرعية أخلاقية وقانونية لخطواتها القادمة، والتي قد تشمل تسريع التعامل بالعملات المحلية وتطوير أنظمة دفع بديلة ونظام تجاري موازٍ لا يخضع للقيود الغربية.
قمة نيودلهي تثبت أن “بريكس” لم تعد مجرد “نادي اقتصادي للنمو”، بل تحولت إلى جبهة جيوسياسية منظمة تسعى بوضوح إلى إنهاء عصر القطب الواحد، وصياغة قواعد لعبة جديدة تمنح القوى الصاعدة الكلمة العليا في إدارة شؤون العالم.