المهنة : رئيس جمعية ​بالمغرب / حين يتحول “التطوع” إلى حرفة لمن لا مهنة له

0

#المحور24

​يفترض في العمل الجمعوي، بمرجعياته الكونية والوطنية، أن يكون تجسيداً لنبل التطوع وبذل الذات في سبيل المصلحة العامة. لكن المتأمل في المشهد الراهن ببلادنا، يجد نفسه أمام مفارقة صارخة؛ فبدل أن تكون الجمعية منصة لتقديم الحلول، أصبحت لدى البعض “طوق نجاة” شخصي ومورداً للرزق بطرق تفتقر للنزاهة، مما خلق تداخلاً هجيناً بين ما هو “تطوعي” إنساني وما هو “نفعي” براغماتي.
​من المنطقي والبديهي أن يكون الفاعل الجمعوي، وخاصة رئيس الجمعية، متمتعاً بمصدر رزق قار يضمن له الكرامة والاستقلالية. فالتفرغ لخدمة الآخرين وحلحلة مشاكل المجتمع يتطلب ذهناً صافياً، واستقراراً عائلياً، ومناعة مادية تحميه من “شبهة الطمع” في مالية الجمعية أو المنح العمومية.
​أما أن يغرق الشخص في دوامة من المشاكل الشخصية والمادية، ثم يهرع لتأسيس إطار جمعوي ليكون بمثابة “سجل تجاري” يحل به أزماته الخاصة، فهنا نكون أمام انحراف خطير يحول المجتمع المدني من قاطرة للتنمية إلى وكر للاسترزاق.
​لقد تجاوز الأمر مجرد البحث عن الدعم، ليصل إلى حد “السطو على الشرعية”. هؤلاء الانتهازيون يتقنون فن العزف على أوتار المصلحة العامة، بينما يمارسون في الكواليس فنون الابتزاز ضد السياسيين، ورجال الأعمال، والمهنيين.
​وللأسف، نجد بعض رجال السلطة يختارون مسافة “المهادنة” مع هذه الفئات، تفادياً للضجيج ولغة العويل التي يتقنها هؤلاء (الجمعويون) فهم لا يمتلكون ضوابط أخلاقية تحكم تصرفاتهم، بل يرفعون سقف الصراع مع الجميع، مستغلين صفة “المجتمع المدني” ، الذي هو منهم بريء براءة الذئب من دم يوسف ، لإحراج المؤسسات وإرباك المشهد.
​إننا اليوم، وأمام هذا الواقع الحساس، نناشد السلطات المحلية والجهات الوصية بضرورة تشديد الرقابة القبلية والبعدية:
– ​التحري الدقيق: يجب أخذ “ماهية” المؤسسين وهويتهم وسيرهم الذاتية بعين الاعتبار قبل منح وصولات الإيداع.
– ​نزع الصفة: ضرورة سحب الشرعية من كل من ثبت استغلاله للعمل الجمعوي لأغراض انتهازية أو سياسوية ضيقة.
– ​معايير الأهلية: التأكيد على أن العمل الجمعوي يحتاج إلى الخبرة، المهنية، والتفرغ، والأهم من ذلك “التعفف” عن المال العام.
إن حماية المجتمع المدني هي حماية للديمقراطية التشاركية. وتطهير الميدان من “تجار التطوع” هو السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار للشرفاء الذين يبذلون الغالي والنفيس من مالهم ووقتهم لخدمة الوطن، دون انتظار جزاء أو شكور.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.