حين يكتب القدر الإجابة بلسان الحاسد
القصة واقعية تحمل في طياتها عمقاً كبيراً، وتجسد كيف يسخر الله الكون لتحقيق مراده بأسباب قد تبدو في ظاهرها “شراً” أو “سخرية”، لكن باطنها يحمل “الفرج”.
#المحور24
في هدوء “مسجد حي لافيراي” بمراكش ، حيث تخفت الأصوات ولا يبقى إلا همس القلوب لبارئها، سجد رجلٌ وأطال السجود. لم يطلب مالاً ولا جاهاً، بل كان يلحّ في دعاءٍ غريب سَمِعه من كان بجواره: “اللهم اجعل فلان بن فلان زوجاً لابنتي”.
كان الجار يسمع بفضول، فغلبه الضحك ولم يستوعب صدق تلك اللحظة. كتم السر أياماً، لكن الرغبة في “التنمر” دفعته للذهاب إلى والد الشاب المذكور. وبلهجة ساخرة لا تخلو من قصد التنمر والإحراج، قال له: “أتدري أن فلاناً يطارد ابنك حتى في سجوده؟ لقد سمعته يترجى الله أن يزوج ابنتَه لابنك!”
ظنّ الرجل أنه قد أحرج الداعي، لكن تدبير الله كان فوق كيد الكائدين. وقعت الكلمات في قلب والد الشاب موقع الحكمة، فدفعته للبحث والسؤال عن تلك الفتاة التي يتشبث بها رجلٌ صالح في أعظم أوقات القرب من الله. وجدها “درةً مصونة” وسيرةً عطرة تفوق الوصف.
وحين عرض الأمر على ابنه، كانت المفاجأة أن الشاب كان يميل قلبه لتلك الفتاة سراً، لكنه كان ينتظر الفرصة. وهكذا، بلسانٍ أراد الفضيحة، ساق الله النصيب، وتحول التنمر إلى “رسول خير” جمع بين قلبين في الحلال، واستجاب الله دعوة الساجد من حيث لم يحتسب.
تتجاوز هذه القصة كونها مجرد واقعة زواج، فهي درس حي في “فقه اليقين”، ويمكن تلخيص مقاصدها فيما يلي:
1. سلاح السجود
تؤكد القصة أن الدعاء بصدق وتحديد الحاجة باسمها في السجود هو أقصر الطرق للوصول. الرجل لم يخجل من الله في طلب تفاصيل حياته، فكان الله له مجيباً.
2. قانون “رُبّ ضارّةٍ نافعة”
هنا يتجلى تدبير الله الجميل؛ فالشخص الذي أراد “التنمر” و”الفضح” تحول رغماً عنه إلى “وسيط زواج” مجاني. الله سبحانه سخر (طاقة الشر) عند هذا الشخص لتخدم (إرادة الخير) عند الداعي.
3. بركة النية الطيبة
والد الفتاة كان يعرف أخلاق الشاب وقدره، فكان دعاؤه نابعاً من حرصه على ستر ابنته وتزويجها لصاحب دين. النية الصالحة تجعل الله يدافع عن صاحبها ويحول محاولات تسفيه حلمه إلى واقع ملموس.
4. مسببات الأرزاق لا تُحدّ
الله قد يحقق لك ما تريد عن طريق “عدوك” أو “الحاسد”، ليريك أنه هو المتصرف الوحيد في الملك، وأن البشر مهما بلغت نيتهم في الأذى، ليسوا إلا أدوات لتنفيذ قدر محتوم.
العبرة : إن سخرية الناس من أحلامك أو دعواتك لا تزيدها إلا قرباً من التحقيق إذا كانت صلتك بالله قوية، فالله الذي أنطق الساخر بالخبر، هو نفسه الذي ألقى القبول في قلب المستمع.