الرباط وباريس: من “دبلوماسية إدارة الأزمات” إلى “هندسة التحالف الأبدي”
#المحور24
كشفت مجلة “أفريكا إنتلجنس” عن توجه استراتيجي غير مسبوق يعيد رسم خارطة العلاقات بين ضفتي المتوسط، مؤكدة أن الرباط وباريس تستعدان لتدشين “إطار تعاقدي” جديد يتجاوز الأنماط التقليدية للتعاون، ليؤسس لمرحلة “عقلنة التحالف” عبر معاهدة صداقة تاريخية يرتقب توقيعها خلال عام 2026.
لم يعد الطموح المغربي الفرنسي حبيس التفاهمات العابرة، بل بات يتجه نحو صياغة “معاهدة صداقة” تعيد ضبط إيقاع الشراكة على مدى العقود الثلاثة المقبلة. هذا المشروع، الذي تبلور عقب زيارة الدولة التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون للرباط في أكتوبر 2024، يطمح لأن يكون “وثيقة مرجعية” تمنح العلاقات حصانة سياسية وقانونية ضد تقلبات الأمزجة السياسية أو السياقات الدولية الضاغطة.
تكتسي المعاهدة المرتقبة حمولة رمزية ثقيلة؛ إذ من المخطط أن يتزامن توقيعها مع الذكرى السبعين لاتفاق 6 نوفمبر 1955، وبحضور ملكي سامٍ في قلب باريس. هذا الربط الزمني ليس مجرد احتفاء بالماضي، بل هو إعلان عن ميلاد “نسخة مطورة” من العلاقات السيادية، تنتقل فيها فرنسا من منطق الشريك التقليدي إلى حليف استراتيجي يعترف بوضوح بمغربية الصحراء كحجر زاوية في أي بناء مستقبلي.
لضمان متانة هذا البناء، عهد البلدان إلى لجنة مشتركة تضم “حكماء” من العيار الثقيل، أوكلت إليهم مهمة هندسة العلاقة لثلاثين سنة قادمة.
من الجانب المغربي: تبرز أسماء وازنة مثل مصطفى التراب (الرجل القوي في OCP)، وشكيب بنموسى بخبرته الدبلوماسية والتخطيطية، ومونية بوستة بذكائها المؤسساتي.
من الجانب الفرنسي: حضرت خبرة هوبير فيدرين وإليزابيث غيغو، لضمان صياغة رؤية لا تكتفي بالجانب الاقتصادي، بل تمتد لتشمل الأمن القومي، الهجرة، والتكامل الطاقي.
يسعى المغرب وفرنسا من خلال هذا الإطار إلى استنساخ نجاحات “معاهدة الإليزيه” (بين فرنسا وألمانيا) و”معاهدة كويرينال” (بين فرنسا وإيطاليا). الهدف واضح: إرساء “مؤسساتية” تضمن انتظام القمم الثنائية، وتنسيقاً أمنياً وعسكرياً عالي المستوى، وتدفقاً للاستثمارات الفرنسية نحو الأقاليم الجنوبية للمملكة، كترجمة فعلية للاعتراف السياسي الفرنسي.
إن ما يُرسم اليوم في كواليس الرباط وباريس ليس مجرد اتفاقية تعاون تقني، بل هو “تعاقد سياسي كلي”. هي محاولة جادة للانتقال بالعلاقة من خانة “الارتباط التاريخي” إلى خانة “الضرورة الاستراتيجية”، حيث يصبح استقرار أحدهما ونموه جزءاً لا يتجزأ من أمن ومصلحة الآخر.