لبنى أبيضار.. حين تصير الأمومة سؤالاً فلسفياً والاختلاف مرآة للإنسان في “أوتيستو”(صور)

0

#المحور24 … (ب.ق) مراكش

في الدورة الجديدة من المهرجان الوطني للفيلم بطنجة، عادت الممثلة لبنى أبيضار إلى الواجهة الفنية من خلال عملٍ سينمائيٍ مختلفٍ في لغته وجرأته وعمقه الإنساني، فيلم “أوتيستو” للمخرج الفرنسي جيروم أوليفر كوهين، الذي عُرض يوم 20 أكتوبر 2025.

فيلمٌ يبتعد عن ضجيج الاستعراض ليقترب من صمت الإنسان، يضع الأمومة في مواجهة العالم، ويحوّل الاختلاف إلى مرآةٍ تعكس هشاشتنا جميعاً.

يحكي “أوتيستو” قصة أمٍّ عازبة تصارع واقعاً قاسياً من أجل طفلها المصاب بالتوحّد، في مجتمعٍ يقدّس الصورة ويخاف من المختلف.

من خلال هذه الحكاية البسيطة في ظاهرها، يفتح الفيلم أسئلةً معقّدة حول معنى الإنسانية، وحدود الرحمة، وحقيقة الأمومة كفعل وجودي لا كدورٍ اجتماعي، فالأم هنا ليست تلك الصورة المثالية التي تعيد إنتاجها الدراما التقليدية، بل امرأة تواجه خوفها ووحدتها في عالمٍ يحاكمها بصمتٍ لا يرحم.

أداء لبنى أبيضار في هذا الفيلم يتجاوز التمثيل نحو التجسيد، إذ تُقدّم شخصية الأم بروحٍ شفافة تنطق بالصمت أكثر مما تعبّر بالكلمات. لا تبالغ، لا تصرخ، بل تترك للملامح والجسد لغةً تترجم الألم والحب في آنٍ واحد.

يبدو حضورها كولادةٍ جديدة بعد تجربةٍ مهنية صاخبة، وكأنها تعود من رماد الماضي لتقدّم درساً في النضج الفني والصدق الإنساني. في “أوتيستو”، لا تمثل أبيضار الدور، بل تعيشه بصدقٍ يجعل الكاميرا شاهدةً على تحوّلٍ داخلي عميق.

المخرج جيروم كوهين يختار بناءاً بصرياً متقشّفاً يعتمد على الضوء الرمادي والحركة البطيئة، ليخلق جواً من التأمل الهادئ، كأن الزمن نفسه يتباطأ احتراماً لوجع الأم وصمت الطفل، يتعامل مع التوحّد لا كمرضٍ يجب معالجته، بل كطريقةٍ أخرى لرؤية العالم، كاختلافٍ يضيء زوايا جديدة في التجربة الإنسانية. هنا، يصبح الفيلم دفاعاً عن الحق في التعدد، وعن الجمال الكامن في الصمت والاختلاف، الفيلم لا يسعى لاستدرار التعاطف، بل لتحفيز التفكير، فحين يضعنا أمام أمٍّ ترفض الاستسلام وأمام طفلٍ يعيش في عوالمه الخاصة، يجعلنا نتساءل عن موقعنا نحن من الإنسانية. كيف نرى الآخر؟ كيف نحكم عليه؟ وأين يبدأ الفهم وينتهي الخوف؟ هذه الأسئلة تنبع من عمق التجربة السينمائية لا من خطابٍ مباشر، لتمنح “أوتيستو” بعداً فلسفياً يتجاوز حدود الشاشة. في جوهره، “أوتيستو” ليس فيلماً عن التوحّد فقط، بل عن الإنسان حين يكتشف أن الحب شكلٌ من أشكال المقاومة. عن الأمومة كجبهةٍ داخلية في معركة الوجود. وعن الفن كوسيلةٍ لإعادة اكتشاف الذات والمجتمع.

لذلك يمكن اعتبار العمل تجربةً سينمائية نادرة تُعيد الاعتبار للبعد الإنساني في السينما المغربية، وتؤكد أن الصورة يمكن أن تكون فعلاً من أفعال الرحمة قبل أن تكون وسيلةً للعرض. لبنى أبيضار في “أوتيستو” تكتب فصلاً جديداً من سيرتها الفنية، فصلاً أكثر نضجاً وصدقاً، حيث تتلاقى التجربة الشخصية مع الفلسفة الوجودية في تأملٍ عميقٍ لمعنى الأمومة والاختلاف. إنها لا تعود لتثير الجدل كما في السابق، بل لتصالح الفن مع ذاته، ولتقول إن السينما يمكن أن تكون مرآةً للوعي، لا ساحةً للضجيج.

في نهاية العرض، يخرج المتفرج مثقلاً بأسئلةٍ لا إجابات لها، لكنه يغادر القاعة بقلبٍ أكثر إنسانية. فـ“أوتيستو” يذكّرنا بأن الصمت لغة، وأن الأمومة ليست ضعفاً بل شجاعة، وأن الاختلاف ليس خطأ في الخلق بل احتمالٌ آخر للجمال.

إنه فيلمٌ عن الإنسان في أضعف لحظاته وأجملها، وعن لبنى أبيضار التي وجدت في الفن خلاصها، وفي الأمومة معناها الوجودي الأعمق.

 

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.