16 مليار لم تجعل ساحة “جامع الفنا” كما حلم بها المراكشي و تضع المسير تحت مجهر المساءلة
#المحور24
بدلاً من أن يقدم المسؤول الجماعي و النائب الاول للعمدة إجابات شافية تطمئن الرأي العام المراكشي، تحول تصريحه إلى “كرة ثلج” تتدحرج لتطرح تساؤلات أكثر إحراجاً وعمقاً. إن هذا المشروع، الذي رُصدت له ميزانية ضخمة تناهز 16 مليار سنتيم، بات اليوم في قلب عاصفة من الجدل الذي يتجاوز لغة التبرير التقني ليلامس جوهر الحكامة والمحاسبة السياسية.
ألقى نائب العمدة بكرة المسؤولية كاملة في ملعب شركة “العمران”، معتبراً إياها الجهة المسؤولة عن الصفقة، ومبرراً عدم تسلّم المجلس الجماعي للمشروع حتى الآن باستمرار الأشغال وتأثير التساقطات المطرية التي عرقلت سير الورش لأشهر.
وهنا تبرز الزاوية التحليلية الأولى المتعلقة بالمسؤولية القانونية والسياسية؛ إذ يحاول الخطاب الرسمي إحداث نوع من “الفصل التعاقدي” للتنصل من تبعات التأخير والتعثر. لكن من الناحية القانونية والإدارية، يظل المجلس الجماعي هو صاحب المشروع الأصلي، في حين لا تعدو شركة “العمران” أن تكون صاحباً للمشروع المنتدَب في إطار اتفاقية محددة.
هذا التمييز ليس ترفاً مفاهيمياً؛ فالمواطن المراكشي صوّت لصالح منتخبين ليدبروا شؤونه، وليس لشركات تدبير مفوض. بناءً عليه، فإن محاولة حصر دور المجلس في “المتابعة والمراقبة” هي قراءة قاصرة تضعف مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، فالشارع يسائل دائماً من يملك الشرعية الانتخابية والسياسية أولاً.
يمتد النقاش الدائر اليوم من الآجال الزمنية والكلفة المالية إلى “روح” الساحة وجوهرها المعماري. إذ تتردد أنباء قوية عن استعمال مواد مستوردة في بعض أجزاء الأرضية الجديدة، بدلاً من الاعتماد على مواد طبيعية ومحلية تعكس الخصوصية المغربية وتحترم روح الموقع التاريخي.
وفي هذا السياق، يظهر صراع واضح بين منطقين: منطق المقاولة الحديثة الذي يميل أحياناً إلى استيراد مواد جاهزة لسرعة التنفيذ، مما يفرز طابعاً حضرياً نمطياً ومعولماً؛ وبين منطق التراث اللامادي الذي يشترط استعمال مواد محلية تضمن صون تصنيف الساحة العالمي من طرف منظمة “اليونسكو”.
فساحة “جامع الفنا” ليست مجرد مساحة جغرافية عادية للتبليط، بل هي محمية ثقافية عالمية. وأي طمس لهويتها البصرية أو تعويض لموادها التقليدية بمواد هجينة يعد خطأً معمارياً جسيماً، يطرح سؤالاً عريضاً حول مدى احترام دفتر التحملات والمواصفات التقنية التي تم على أساسها إطلاق المشروع.
من أكثر المشاهد إثارة للدهشة في الخرجة الميدانية، هو ظهور نائب العمدة وحيدا تقريباً في مواجهة الكاميرات، ليفكك طلاسم الهندسة والأشغال والآجال بدون غطاء تقني أو علمي يدعم كلامه.
هذا المشهد يثير علامات استفهام كبرى: أين مهندسو المجلس الجماعي؟ وأين ممثلو مكاتب الدراسات والمسؤولون التقنيون عن المشروع؟ ولماذا غاب ممثلو شركة “العمران” أو الشركة نائلة الصفقة عن هذه الخرجة التي كان يفترض أن تقدم للرأي العام معطيات دقيقة وموثقة بالأرقام والوثائق؟
إن هذا الغياب يعكس خللاً بنيوياً في التواصل المؤسساتي. ففي المشاريع الكبرى، وخاصة تلك التي تثير لغطاً جماهيرياً، يجب أن يتنحى السياسي خطوة إلى الوراء ليتحدث التقني بلغة الأرقام والمخططات والتقارير المخبرية. وانفراد نائب العمدة بالحديث يضفي طابع “التبرير السياسي” على القضية، ويفقد الخطاب صبغة الحياد العلمي، مما يعزز شكوك المتتبعين بدلاً من تبديدها.
إن الحراك والنقاش الدائر اليوم في مراكش هو مؤشر صحي؛ فالساكنة والفاعلون المدنيون لا يرفضون تأهيل الساحة وتطوير فضاءاتها، بل يمارسون غيرة وطنية خوفاً من فقدان الساحة لجزء من هويتها التاريخية والثقافية. فجامع الفنا هي ذاكرة مدينة بأكملها، وواجهة سياحية للمغرب أمام العالم، وأي خطأ في الاختيارات التقنية أو المعمارية ستكون له انعكاسات تتجاوز حدود المدينة لتطال صورة التراث المغربي ككل.
لذلك، فإن المرحلة الحالية تستوجب قدراً أكبر من الشفافية والوضوح، عبر نشر كامل للمعطيات المتعلقة بالصفقة وكلفتها والمواد المستعملة فيها، مع إشراك الخبراء والفاعلين المدنيين في تقييم النتائج. ويبقى السؤال المعلق الذي ينتظر المراكشيون جواباً واضحاً عنه: هل ما تم إنجازه بساحة جامع الفنا ينسجم فعلاً مع روح المكان وتاريخه، أم أن المدينة أمام تجربة عمرانية ستظل تثير الجدل لسنوات طويلة؟