طموح نتنياهو في إسرائيل كبرى و تذمر الأنظمة العربية
#المحور24
عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مؤخراً ليُعيد إلى الواجهة فكرة “إسرائيل الكبرى”، وهي رؤية توسعية ذات بعد ديني وتاريخي، تُستثمر اليوم في خطاب اليمين الإسرائيلي لتبرير تمدد جغرافي محتمل. هذه الفكرة ليست معزولة عن السياق العالمي، حيث باتت النزعات التوسعية واقعاً ملموساً في عدة مناطق: الولايات المتحدة التي يلوّح بعض منظريها بضم كندا أو غرينلاند، وروسيا التي تُعيد إنتاج مشروعها الإمبراطوري عبر أوكرانيا وأوروبا الشرقية، في ظل حديث متزايد عن “يالطا جديدة” تُعيد تقسيم النفوذ بين واشنطن وموسكو.
ما يطرحه نتنياهو إذن ليس مجرد حلم طوباوي، بل مشروع سياسي يجد جذوره في بنية عالم مضطرب تتنازع فيه القوى الكبرى على رسم الحدود من جديد. إلا أن خطورة الطرح تكمن في تحويله إلى فكرة مقدسة، تُغلف بغطاء توراتي يمنحها قوة إيديولوجية مضاعفة داخل المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً في أوساط اليمين الديني.
لكن “إسرائيل الكبرى” لا تعني بالضرورة غزوًا ديمغرافيًا أو استيطانًا مكثفًا للمناطق المستهدفة. جوهر الفكرة يتجاوز ذلك إلى توسيع الحدود، حيث قد تُستعمل ورقة “حق تقرير المصير” لسكان يائسين، يبحثون عن بديل يوفر لهم الحد الأدنى من الكرامة والأمان. في هذا السياق، يبرز مثال الدروز في سوريا، أو بعض الفلسطينيين واللبنانيين الذين يفضلون – وفق شهادات متداولة – واقع المواطنة داخل إسرائيل على واقع الانهيار والفوضى في كيانات سياسية مفلسة.
الخطر الأكبر إذن لا يأتي فقط من قوة إسرائيل، بل من هشاشة الأنظمة المحيطة بها. حين يقهر الحاكم شعبه بالاستبداد، والفساد، والتفقير، ويغلق أمامه أبواب الأمل، يصبح من السهل أن يرى المواطن في “الآخر” دولة أكثر عدلاً أو أقل سوءاً. عندها، لن يكون نتنياهو هو من يحقق “إسرائيل الكبرى”، بل سيكون ذلك من صنع الحكام العرب أنفسهم، ومعهم جيوش الظلم التي تُمعن في إذلال الإنسان العربي وتجريده من أبسط حقوقه.
في النهاية، الدرس البليغ أن الشعوب لا تنجذب إلى المشاريع التوسعية إلا حين تُسلب كرامتها. وأمام هذا الواقع، يبقى الحل الحقيقي ليس في الشعارات ولا في الصراخ ضد “إسرائيل”، بل في بناء أنظمة تحترم الإنسان العربي، وتصون حقوقه، وتمنحه أسباب الحياة الكريمة. حينها فقط، تفقد فكرة “إسرائيل الكبرى” جاذبيتها، وتبقى مجرد وهم سياسي في خطاب نتنياهو.