سد “قدوسة” يروي آمال الرشيدية: تشغيل شبكة ري لسقي 5000 هكتار وبعث روح جديدة في الفلاحة الواحية
#المحور24
في خطوة نوعية تعكس الطموح المغربي لتحقيق فلاحة مستدامة وذكية مناخياً، أعطى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، السيد أحمد البواري، يوم الأربعاء 16 يوليوز 2025، الانطلاقة الرسمية لتشغيل شبكة الري الكبرى المرتبطة بسد “قدوسة” بإقليم الرشيدية، وسط أجواء احتفالية بحضور والي جهة درعة تافيلالت ومسؤولين محليين وجهويين.

المشروع، الذي استغرق سبع سنوات من العمل، يُعدّ ثمرة تخطيط استراتيجي طويل الأمد، ويشكل أحد أهم الإنجازات في مجال البنيات التحتية الفلاحية بالجنوب الشرقي للمملكة. وقد صُمم ليعيد رسم معالم الفلاحة الواحية، اعتماداً على تعبئة المياه السطحية وتثمينها بشكل عقلاني.

المعطيات التي قدمتها وزارة الفلاحة تؤكد أن المشروع سيمكّن من سقي مساحة إجمالية تُناهز 5000 هكتار، موزعة بين 825 هكتاراً من الواحات التقليدية و4175 هكتاراً من التوسعات الفلاحية على أراضي الجموع، مستفيداً من موارد مائية تُقدّر بـ30 مليون متر مكعب سنوياً.
يعتمد النظام الجديد على الري الموضعي عالي الكفاءة، مما سيساعد في تقليص الضغط على الفرشة المائية “مسكي-بوذنيب”، في وقت تتزايد فيه التحديات المناخية.

كلف هذا المشروع العملاق حوالي مليار درهم، بتمويل مشترك من الوكالة الفرنسية للتنمية (41% قرض و1% منحة)، وصندوق المناخ الأخضر (21%)، وميزانية الدولة (37%)، ما يعكس انخراطاً متعدد الأطراف لدعم التحول الفلاحي بالمنطقة.
ولم يقتصر المشروع على الجانب التقني فقط، بل حمل في طياته بُعداً اجتماعياً وتنموياً واضحاً، إذ سيمكن من تحسين ظروف عيش ما يفوق 16.600 نسمة، وخلق ما يزيد عن 3.6 مليون يوم عمل خلال فترة الأشغال، إلى جانب مناصب قارة داخل سلاسل القيمة الفلاحية.
في انسجام مع توجهات “الجيل الأخضر”، حظيت فئات الشباب والتعاونيات بدعم ملموس، حيث تم تمويل 139 مشروعاً موجهة لهذه الفئة بمبلغ 30 مليون درهم، ما من شأنه تحفيز المقاولة الفلاحية المحلية، وتعزيز الاندماج الاقتصادي للمجتمع القروي.
الزيارة الميدانية شملت إطلاق عدة مشاريع هيكلية، من بينها قناة رئيسية بطول 22.6 كيلومتراً وشبكة توزيع تمتد لـ127 كيلومتراً، إلى جانب تشغيل سدود تحويلية لتغذية الفرشات المائية، وإعادة تأهيل شبكات الري التقليدي في واحة الطاوس، وهو ما يُعزز فرص استدامة المنظومة الفلاحية المحلية.
وتم بالمناسبة تدشين استغلالية فلاحية متخصصة في إنتاج وتثمين التمور، تمثل نموذجاً واعداً لفلاحة عصرية تراعي خصوصيات المجال الواحي، وتربط بين الإنتاج والجودة وسلاسل التسويق.
يمثل تشغيل شبكة الري المرتبطة بسد قدوسة خطوة استراتيجية قد تعيد رسم ملامح التنمية الفلاحية بجهة درعة تافيلالت، لكن نجاح هذه الدينامية يبقى مرهوناً بجودة المواكبة، واستمرارية الصيانة، وحسن تدبير الموارد المائية، بما يضمن استدامة العطاء في قلب الواحات التي لطالما كانت رمزا للخصب في وجه القساوة الطبيعية.
مشروع قدوسة ليس مجرد بنية تحتية، بل رسالة أمل… عنوانها: الماء حياة، والفلاحة مستقبل.