حين يترافع المواطنون من أجل المسؤولين “الملتمسات كوجه جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع”

0

متابعة كريم المنصوري … المحور24 

في ظاهرة تثير أكثر من علامة استفهام، تقدمت مجموعة من جمعيات المجتمع المدني، إلى جانب عدد من المواطنين، بملتمسات إلى السدة العالية بالله، سيدنا جلالة الملك محمد السادس نصره الله، تلتمس إعادة النظر في قرار إعفاء كل من والي جهة مراكش آسفي وعامل عمالة مراكش، ووالي جهة فاس مكناس وعامل عمالة فاس، من طرف وزارة الداخلية، بعد ما تم تداوله حول خطأ تأويلي للإهابة الملكية المتعلقة بمنع الذبح خلال عيد الأضحى.

 

ما يثير الانتباه في هذا الحدث ليس فقط محتوى القرار أو أسبابه المفترضة، بل طبيعة ردّ الفعل المجتمعي الذي تبعه، إذ اعتاد المجتمع في علاقاته مع الدولة على علاقة مبنية على التوجس الحذر، وأحيانا النفور المتبادل، وانتقاد للمسؤولين، لا حملات تضامن وتقدير، ناهيك عن الترافع الشعبي من أجلهم.

 

فما الذي تغير؟ ولماذا يلجأ المواطنون اليوم إلى الدفاع عن مسؤولين ترابيين من طينة ولاة وعمال ممثلي صاحب الجلالة في الجهات و الأقاليم؟

 

أول ما يتبادر إلى الذهن هو أن الثقة ليست شيئًا يُمنح، بل تُبنى، ويبدو أن هؤلاء المسؤولين، ووفقًا لما جاء في الملتمسات، قد نجحوا في بناء جسور من الثقة والتواصل مع المواطنين، فحين يشعر المواطن أن المسؤول المحلي قريب، يسمع صوته، يعالج مشاكله، يتجول بين أزقته، يتفاعل مع جمعياته، فإنه لا يعود يراه خصمًا أو كسلطة فوقية، بل شريكًا في بناء الجماعة والوطن، وشريكا في التنمية المحلية، هنا تنقلب المعادلة التقليدية: من دولة تُراقب شعبًا، إلى دولة تُبنى مع شعبها، ومن مجتمع يتجنّب الدولة، إلى مجتمع يحتضن مسؤوليه ويتقدم بملتمس لإنصافهم، وهو ما يُعد تحولًا نوعيًا في علاقة المجتمع بالدولة.

 

ثانيًا، تبرز هذه الملتمسات كمظهر من مظاهر النضج المدني والسياسي، المواطن اليوم بات يُعبّر عن رأيه، ويترافع من أجل ما يراه صائبًا أو منصفًا، في إطار مؤسساتي وسلمي، ممارسة ديمقراطية تستحق التقدير، حتى وإن لم تغير القرار المتخذ، المهم هو أن المواطن لم يعد متفرجًا سلبيًا، بل فاعلًا مشاركًا.

 

غير أن هذا المشهد المضيء يطرح تساؤلات كذلك: هل يمكن أن تتحول هذه الروح التشاركية إلى قاعدة عامة؟ وهل يمكن أن لا تبقى محصورة في حالات استثنائية؟ وهل تحتاج المؤسسات الوصية إلى “حدوث أخطاء وهفوات” كي تكتشف من هم المسؤولون الذين نجحوا في مهمتهم؟ وهل يُقاس أداء المسؤولين فقط بحسن نيتهم وتواصلهم، أم كذلك بنجاعة قراراتهم ومردودية تدبيرهم؟

 

في النهاية، نحن أمام مشهد غير مألوف، لكنه يزرع الأمل، مشهد يقول إن العلاقة بين المواطن والدولة ليست بالضرورة علاقة خوف أو نفور، بل يمكن أن تكون علاقة تقدير، دعم، وربما حتى تضامن، وهذا في حد ذاته، مؤشر على تحول مجتمعي عميق، يستحق أن يُقرأ جيدًا، ويُستثمر سياسيًا ومؤسساتيًا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.