“المحطّة 50”.. حين يصير الانتظار مسرحًا للقلق الوجودي والرهانات المجتمعيّة(صور)…
#المحور24
في قلب الليل، حيث تتقاطع اللحظة مع الذاكرة، وحيث تصبح المحطّة أكثر من مجرّد مكان للعبور، قدّم العرض المسرحي المغربي “المحطّة 50” تجربة فنّية وفكريّة مغايرة، جمعت بين البعد الوجودي والتأمّل في قضايا المجتمع، بلغة مسرحيّة مغربية أصيلة تنفتح على الإنساني والكوني.

جاء هذا العرض المتميّز ضمن فعاليات اليوم الرابع من المهرجان الدولي لمسرح الأحياء في دورته الثامنة، والذي تنظّمه جمعيّة المسرح بمدنين بشراكة مع الفضاء الثقافي المسرح الصغير التابع لـشركة البحث للإنتاج الفني، وشكّل نقطة ضوء لافتة داخل برنامج المهرجان.

كتب نص العرض بدر قلاج، وأخرجه عبد الصادق طيارة، فيما تقمّص أدواره كلّ من آمال بوعثمان، حليمة بلكدع، وبدر قلاج. وجاءت السينوغرافيا والأزياء من توقيع وفاء أبو شادي، في حين تولّى أحمد الوادودي تقنيات الإنارة والموسيقى، التي منحت العرض بعدًا بصريًا وصوتيًا يزيد من عمق التأمّل.

لم تكن “المحطة” مجرّد فضاء مكاني أو لحظة انتظار عابرة، بل تحوّلت إلى استعارة كبرى تختزل أزمة الإنسان المعاصر: السؤال، والتيه، والقلق من المصير. ومن خلال حوارات داخليّة ومواقف دراميّة، يطرح العرض تساؤلات عميقة: علام راهنّا؟ كيف ننجو من زيف الواقع؟ هل يمكن أن نختار طريقنا في عالم تسوقنا إليه الأقدار دون استئذان؟

ما يميّز “المحطّة 50” ليس فقط قوّة طرحه الفكري، بل قدرته على توظيف عناصر من الثقافة المغربيّة – في الإيقاع، اللغة، الملامح البصرية – دون أن ينغلق على المحلي، بل يتجاوزه إلى الكوني، في محاولة لبناء خطاب إنسانيّ يتفاعل مع هموم الجميع، مهما اختلفت الجغرافيا أو الأزمنة.

العرض جاء ليكرّس حضور المسرح المغربي في فضاءات عربية ودولية، وليؤكّد أن المسرح الحي لا يزال قادرًا على طرح الأسئلة الحارقة بلغة شعرية وتشكيل بصري يخاطب العقل والوجدان.

“المحطّة 50” ليس مجرّد عرض مسرحي، بل تجربة وجودية تقودنا إلى مساءلة ذواتنا والعالم من حولنا. هو تمرين على الانتظار، لكنه أيضًا تمرين على المقاومة وعلى الحلم بما هو أجمل، في زمن فقد الكثيرون فيه القدرة على الحلم.