الفلسفة والفنون في المدرسة المغربية: رهان تربوي لمواجهة الانحلال القيمي
بقلم: يونس كلة– كاتب رأي وفاعل تربوي
في زمن تزداد فيه مؤشرات القلق بشأن انحدار القيم داخل المجتمع، يصبح من المشروع إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول المدرسة المغربية، وحول مدى قدرتها على الاضطلاع بوظيفتها التربوية في زمن التحولات العميقة. لم يعد التلميذ اليوم ذلك الكائن المنعزل داخل الفصل، بل هو مواطن رقمي، متصل بالعالم، يعيش في واقع متداخل، حيث تتقاطع المرجعيات والقيم والسلوكات. وبين الأسرة التي فقدت الكثير من سلطتها التربوية، ووسائل الإعلام التي تقدم نماذج سطحية أو منمطة، يصبح الرهان على المدرسة أكبر من أي وقت مضى. وهنا بالضبط، تطرح ضرورة إعادة الاعتبار لمكونات ظُلمت طويلًا: درس الفلسفة، والتربية الفنية والموسيقية، باعتبارهما مدخلين متكاملين لتأهيل الإنسان من الداخل، ومواجهة الانحلال القيمي بسلاح الفكر والجمال معًا.
الفلسفة، كما عرّفها فلاسفة كبار، ليست فقط بحثًا في المفاهيم، بل هي “تفكير في التفكير”، وهي أيضًا تمرين يومي على طرح الأسئلة، وبناء المواقف، والتشكيك في البديهيات. هذا التمرين الذهني، حين يُدرّس بشكل حي وناجع، لا يُنتج فقط متعلمين قادرين على النجاح في الامتحانات، بل يُكوّن أفرادًا محصنين ضد السطحية، والعنف، والتطرف، والقيم الزائفة التي تنتشر بسرعة عبر الوسائط الاجتماعية. إن دروس الفلسفة، بما تتضمنه من قضايا تتعلق بالحرية، الغيرية، المسؤولية، المواطنة، تُسهم في بناء ضمير فكري داخلي لدى المتعلم، وتجعله يرى العالم بمنظار نقدي، فيعيد التفكير في ذاته ومحيطه، وينتصر لقيم إنسانية عالمية.
لكن الإنسان لا يُبنى بالعقل وحده. الوجدان بدوره يحتاج إلى تربية، والحس الجمالي يحتاج إلى تغذية، وهنا تأتي أهمية التربية الفنية والموسيقية، باعتبارها أدوات تربوية فعالة لا ينبغي الاستهانة بها. الفن ليس فقط هواية، بل هو حاجة نفسية وروحية تُساعد التلميذ على التعبير عن مشاعره، وتفريغ توتراته، وتكوين ذوق جمالي يجعله يرفض القبح، سواء كان قبحًا في السلوك، أو في اللغة، أو في المظهر العام. والمتعلم الذي يتذوق الموسيقى الراقية، ويشارك في عمل مسرحي، أو يرسم لوحة تعبيرية، لا يمكن أن يكون سلوكه منحرفًا بسهولة، لأنه تذوّق الجمال، وتعلّم الانضباط، والعمل الجماعي، والقدرة على الإصغاء للذات وللآخر.
إن التكامل الممكن بين هذين المكونين، الفلسفة والفنون، لا يجب أن يكون مجرد فكرة مثالية، بل ينبغي أن يتحول إلى مقاربة بيداغوجية ضمن مشروع إصلاح المنظومة التعليمية. ولعل هذا ما نادت به الرؤية الاستراتيجية للإصلاح 2015-2030 حين أكدت على ضرورة إرساء مدرسة جديدة تُمكّن من “تنمية التوازن النفسي للمتعلمين” و”ترسيخ القيم في بعدها الكوني والإنساني”. كما شددت خريطة الطريق 2022-2026 على “الارتقاء بالأنشطة الموازية والتعبيرية” و”تعزيز قدرات المتعلم على التفكير النقدي”، ما يعني أن الدولة نفسها أصبحت واعية بالحاجة إلى الانتقال من تعليم وظيفي ضيق إلى تربية شمولية تُراعي الإنسان في كليته، عقلًا، روحًا، وجسدًا.
هذا لا يعني فقط إدماج حصص للفن والفلسفة في جداول الزمن، بل يتطلب إعادة التفكير في طرق تدريسها، وفي دور الأستاذ نفسه. فمدرس الفلسفة ليس فقط ناقلًا للنظريات، بل مؤطر فكري، ومرشد للمعنى. ومدرس الموسيقى أو الفنون ليس منشطًا، بل فنانٌ مُربٍّ يفتح نوافذ الحس الجمالي داخل المتعلم. كما أن من الضروري تشجيع المشاريع والورشات المشتركة بين هذه المواد، مثل تنظيم عروض مسرحية أو موسيقية حول قضايا فلسفية، أو إنجاز أعمال فنية تعالج قضايا المواطنة أو الكرامة أو البيئة، وهكذا يصبح المتعلم فاعلًا لا متلقيًا، مبدعًا لا مستهلكًا.
إن التحديات القيمية التي تواجهها المدرسة المغربية اليوم – من عنف مدرسي، إلى لا مبالاة جماعية، إلى ضعف روح المواطنة – لا يمكن أن تُعالج فقط بالمراقبة والانضباط، بل تحتاج إلى تربية وجدانية عميقة تُزرع بالتراكم، بالتفكير، وبالذوق. وإن أي مشروع مجتمعي يسعى إلى بناء مغرب جديد لا يمكن أن يُهمل دور الفلسفة والفنون، ليس فقط داخل القسم، بل في عمق الحياة المدرسية، وفي صميم التصور التربوي.
لذلك، فإن الدعوة إلى دمج حقيقي وفاعل للفلسفة والفنون في قلب المشروع التربوي المغربي ليست نداءً عاطفيًا، بل هي مطلب إصلاحي عقلاني، يرتكز على دراسات بيداغوجية وتجارب عالمية، ويستجيب لروح الوثائق المرجعية الوطنية ذاتها. لقد آن الأوان أن نُعيد للمدرسة المغربية معناها، لا فقط كمكان للتعلم، بل كمجال لبناء الإنسان.
ألسنا في حاجة اليوم إلى ثورة تربوية هادئة، تبدأ من الفصل، وتمتد إلى المجتمع، ثورة تُصالح العقل بالقلب، وتُعيد للفكر وللفن مكانتهما كأدوات لصناعة الغد؟ وهل يمكن حقًا أن نتحدث عن مدرسة المواطنة والقيم دون أن تحتل الفلسفة والفنون مقعدهما في الصفوف الأمامية؟