مدينة تامنصورت بين توسع عمراني متسارع وغياب مقومات التنمية المتكاملة
مدينة تامنصورت بين توسع عمراني متسارع وغياب مقومات التنمية المتكاملة
#المحور24 : بقلم ذ محمد السعيد مازغ
في ليلة رمضانية هادئة، قررت أنا وصديقي أن نخرج عن المعتاد ونخوض مغامرة صغيرة نحو مدينة تامنصورت، المدينة الحديثة التي يقال إنها امتداد حضري لمراكش، لكنها تبدو وكأنها لا تزال في طور البحث عن ذاتها. كنا نأمل أن نرى ملامح مدينة متكاملة، لكن سرعان ما أدركنا أن الواقع يحمل في طياته تناقضات كثيرة.

عند أول وهلة، شدّنا مشهد العمارات الحديثة التي تتسابق نحو السماء، وشعرنا بالحيوية التي تضج بها المدينة من خلال تزايد عدد السكان. لكن سرعان ما اصطدمنا بمشهد آخر، حيث الإسمنت يحيط بنا من كل جانب، بينما تغيب المساحات الخضراء التي تمنح الحياة للمدن. بدا المشهد خانقًا، وكأن المدينة تحاول التنفس وسط ركام من النفايات المنتشرة في الشوارع والمسالك، تفوح منها روائح تخنق الأنفاس.

واصلنا السير بحثًا عن سوق عصري يليق بمدينة ناشئة في طريقها إلى الاستقلال الاقتصادي، لكن بدلاً من ذلك، وجدنا سوقًا عشوائيًا تتداخل فيه البضائع، ويعج بالباعة الجائلين، في مشهد يعكس غياب التخطيط والتنظيم. أما وسائل النقل، فكانت مشكلة أخرى؛ النقل الحضري بالكاد يخدم احتياجات السكان، والمحطة الطرقية التي كان من المفترض أن تكون بوابة المدينة لا أثر لها، مما يجعل التنقل بين المدن عملية مرهقة.

في طريقنا نحو الحي الصناعي، لاحظنا أن العديد من المصانع لا تزال قيد البناء، بينما تقف أخرى مهجورة بلا روح، وكأنها مشاريع لم يُكتب لها الاكتمال. أما العمارات السكنية، فقد رأينا بعضها مفتوحًا بلا أبواب ولا نوافذ، مرتعًا لمن لا مأوى لهم، وربما للبعض ممن يتوارون عن الأنظار. كان من اللافت أن هذه المباني المهجورة تقع بالقرب من إحدى الثانويات التأهيلية، مما يطرح تساؤلات حول الأمن في المدينة، ومدى شعور الطلاب بالطمأنينة أثناء مرورهم من هذه الأحياء.
وما زاد دهشتنا أكثر، هو غياب مستشفى مجهز يلبي احتياجات الساكنة، فالوصول إلى الخدمات الصحية يُعد معاناة يومية للمرضى، الذين يضطرون للتوجه إلى مراكش بحثًا عن العلاج. ورغم النمو السكاني السريع، فإن المرافق العمومية الضرورية، من إدارات وقاعات رياضية ومكتبات، تكاد تكون منعدمة، ما يجعل السكان يشعرون وكأنهم في مدينة غير مكتملة الأركان.
أما عندما وقفنا أمام بناية المجلس الجماعي، فقد كانت المفاجأة أن هذه الإدارة انتقلت إلى مقر مكتري، وكأن المدينة لا تملك أراضي لبناء مجلس جماعي بمواصفات حديثة. والأدهى من ذلك، أن المبنى الحالي يفتقر إلى المصاعد والمرافق المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، مما يجعل ولوج المواطنين إلى الخدمات الإدارية أمرًا شاقًا، خاصة لكبار السن.
مع حلول الظلام، بدأنا نلاحظ ضعف الإنارة العمومية في بعض الأحياء، بل أعمدة بدون مصابيح ، وأسلاك كهربائية عارية تهدد أمن وسلامة الأطفال الذين يلعبون قربها ، مما يزيد الشعور بانعدام السلامة والأمن، خصوصًا في الشوارع التي تفتقر إلى الدوريات الأمنية الكافية. وبينما كنا نغادر المدينة، كنا نحمل معنا إحساسًا ممزوجًا بالدهشة والاستغراب؛ تامنصورت تبدو وكأنها مشروع مدينة لم يكتمل بعد، مدينة واعدة لكن ينقصها الكثير كي تتحول إلى فضاء حضري متكامل يوفر لسكانه أبسط ضروريات العيش الكريم.
ربما ستجد طريقها يومًا ما، لكن إلى ذلك الحين، ستظل قصة تامنصورت مفتوحة على احتمالات كثيرة، وأمل ساكنتها في غدٍ أفضل.