مسرح الطفل في المغرب: بين التفاعل الخيالي وتحديات الإبداع الثقافي…
في فضاء مسرح الهواء الطلق بدار الثقافة بمدينة قلعة السراغنة، شهدت المدينة يوم السبت 7 نونبر 2024 حدثًا ثقافيًا مميزًا، تمثل في ورشة تكوينية حول “الخصائص الفنية والإخراجية للمسرح المغربي الموجه للأطفال”. الورشة، التي تم تنظيمها في إطار برنامج توطين فرقة مسرح أيوب سمسمة، أضاءت العديد من الزوايا الفنية والتقنية التي تلامس روح الطفل المغربي، وتطرح أسئلة هامة حول سبل تطوير هذا المجال الفني الحيوي.
قدم الورشة المخرج والمؤلف المراكشي البارز، الدكتور إبراهيم الهنائي، الذي يعد من أبرز الأسماء في ميدان مسرح الطفل في المغرب. تناول الهنائي في حديثه جانبًا من تعقيدات هذا المجال، مشيرًا إلى أن مسرح الأطفال ليس مجرد وسيلة ترفيهية، بل أداة تربوية وتثقيفية حيوية. فالمسرح بالنسبة له هو فضاء لإطلاق الخيال، وتطوير الوعي، وتحفيز التفكير النقدي لدى الأجيال الجديدة.
أولى الهنائي في ورشته اهتمامًا بالغًا للطابع الخاص الذي يجب أن يتمتع به مسرح الطفل المغربي، مؤكدًا على ضرورة ملاءمة النصوص المسرحية لعقلية الطفل المغربي واحتياجاته. لا بد أن تتسم النصوص بالبساطة والوضوح في طرح الأفكار، وأن تعتمد على عناصر فنية مرئية ومسموعة قادرة على جذب انتباه الأطفال وتحفيزهم على المشاركة الفاعلة. أبرز الهنائي أهمية تفاعل الطفل مع العرض المسرحي، إذ يعتبر أن ذلك يشكل نقطة الانطلاق نحو بناء علاقة عميقة بين الأطفال وفن المسرح، وهو ما يستدعي توظيف الخيال في خلق عوالم سحرية تثير فضول الطفل وتستفز قدراته الذهنية.
كما شدد الدكتور الهنائي على أهمية اللغة الجسدية في مسرح الطفل، حيث يرى أن الحركة والإشارة لا تقل أهمية عن الكلام في التعبير عن المشاعر والأفكار. وأوضح أن المخرجين يجب أن يستثمروا في الموسيقى والأغاني، باعتبارها وسيلة فاعلة للتواصل مع الأطفال وتعميق تجاربهم الإبداعية. وفي هذا السياق، أكد على ضرورة البساطة في تصميم الديكورات والإضاءة، بحيث تكون ذات تأثير مرن يتناسب مع قدرة الطفل على التركيز، دون أن تشوش على خياله.
وفيما يخص تدريب الأطفال على التمثيل، أكد الهنائي أن التكوين المسرحي للأطفال ليس مجرد ترف فني، بل هو بمثابة أداة لتنمية شخصياتهم وتعزيز قدراتهم على التعبير عن أنفسهم. وذكر أن الأسرة والمدرسة هما العاملان الأساسيان في تحفيز الأطفال على التفاعل مع العروض المسرحية، مما يساهم في بناء علاقة أعمق بينهم وبين هذا الفن. فالمسرح ليس مجرد أداة للتسلية بل هو مدرسة حقيقية لتشكيل الشخصية وتعليم الأطفال القيم الإنسانية والفنية.
كانت الورشة فرصة ذهبية للمشاركين من المهتمين والمختصين، حيث تفاعلوا مع رؤية الهنائي، وتبادلوا الأفكار والملاحظات التي من شأنها أن تسهم في تطوير مسرح الطفل في المغرب. فالهدف الأساسي من مثل هذه الورش هو خلق بيئة خصبة للإبداع، وتبادل الخبرات التي تعزز من جودة العروض المسرحية الموجهة للأطفال.
إن مسرح الطفل في المغرب، رغم التحديات التي يواجهها من حيث قلة الموارد والتوجهات الثقافية، إلا أنه يبقى مجالًا حيويًا يمكنه أن يلعب دورًا محوريًا في تشكيل أجيال واعية ومبدعة. ولعل ورش العمل مثل هذه تعد خطوة هامة نحو إدراك المجتمع لمكانة هذا الفن، وأهمية دعم المؤسسات الثقافية والفنية في تحقيق هذا الهدف. ومن خلال تفعيل العمل الجماعي بين المبدعين والمؤسسات الثقافية، يمكن للمجتمع المغربي أن يعزز من مكانة مسرح الطفل كأداة فاعلة في تنمية الفكر والإبداع لدى الناشئة.