التوطين المسرحي كفعل وعيٍ وبناءٍ للإنسان

0

#المحور24

متابعة : (ب.ق) … مراكش 

في مشهدٍ ثقافيٍّ مغربيٍّ يتعطّش إلى المبادرات الجادّة، يواصل النادي الفني المراكشي “كوميديا” حضوره الفاعل ضمن مشروع التوطين المسرحي لموسم 2025 – 2026، بدعمٍ من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وذلك في المركز الثقافي بسيدي رحال، حيث يتحوّل المسرح من مجرّد عرضٍ فوق الخشبة إلى ممارسة فكرية وجمالية تسائل معنى الفن ووظيفته في المجتمع. لا يقتصر المشروع على محطاتٍ آنية أو فعالياتٍ محدودة، بل يمتدّ على مدى عامٍ كامل، ليغدو مختبراً مفتوحاً للتجريب الفني والحوار الثقافي بين المبدعين والباحثين والجمهور، في سعيٍ نحو إعادة تعريف علاقة المسرح بالإنسان، وجعل الوعي الجمالي ركيزةً لبناء الذات والمجتمع.
ويُعتبر شهر أكتوبر 2025 من المحطات البارزة في هذا البرنامج، إذ سيشهد المركز الثقافي بسيدي رحال يومي 17 و18 أكتوبر سلسلةً من الأنشطة الفكرية والفنية التي تُترجم فلسفة التوطين المسرحي في أبهى صورها. ففي الجمعة 17 أكتوبر 2025، سيكون الجمهور على موعدٍ مع توقيع كتاب “بهجة البهوج” للأستاذ عبد الإله بنهدار، أحد أبرز الأسماء في المشهد المسرحي المغربي، الذي يقدّم عملاً يجمع بين التأمل الفكري وعمق التجربة الإنسانية، في رؤيةٍ تنفتح على سؤال المسرح كأفقٍ للتفكير في الجمال والوجود. وفي اليوم نفسه، ستُقام ورشة فنية بعنوان “التشكيل في المسرح” يؤطرها الفنان عبد الغني ويدة، لتكشف عن العلاقة الخفية بين الفضاء التشكيلي والمشهد المسرحي، حيث يتقاطع اللون مع الحركة، والرمز مع التعبير، ليغدو المسرح لوحةً حيّة تتنفس الجمال وتُجسّد الفكرة. أما السبت 18 أكتوبر 2025، فسيكون مكرّساً للأدب والفكر، من خلال حفل توقيع كتاب “Letter à mon égo” للأستاذة فاطمة مقداد، وهو عمل أدبي يتأمل الذات في مرآة اللغة، ويفتح مساحاتٍ للحوار بين الوعي والبوح، والحلم والسؤال. وفي اليوم ذاته، سيؤطر الدكتور محمد أمين بنيوب ورشة “الإدارة الثقافية والفنية”، التي تطرح مقاربةً نظرية وتطبيقية حول تدبير المشاريع الثقافية المعاصرة، مبرزةً أهمية الرؤية الإستراتيجية في استدامة الفعل الثقافي والفني داخل المجتمع. لكن القيمة الحقيقية لهذا البرنامج لا تُقاس بما يتضمنه من ورشٍ ولقاءاتٍ فحسب، بل بعمق الرؤية الفكرية التي تحرّكه. فكل ورشة أو توقيع كتاب، وكل لحظة حوار أو تأمل، ليست سوى لبنةٍ في مشروعٍ ثقافيٍّ يسعى إلى تحرير الخيال وتوسيع مدارك الإنسان عبر الفن. بهذه الفلسفة، يرسّخ النادي الفني المراكشي “كوميديا” مكانته كأحد الفاعلين المتميّزين في المشهد المسرحي المغربي، مُكرِّساً مفهوم التوطين المسرحي كمنهجٍ للتفكير والتربية على الجمال، لا كبرنامجٍ ظرفيٍّ أو موسميٍّ. إنه مشروعٌ يمتدّ في الزمن، لكنه ينتمي إلى لحظةٍ واحدةٍ ودائمة: لحظة الوعي بأن المسرح حياةٌ تُكتب وتُمثَّل كل يوم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.