حين يصير المغربي غريبًا بين أهله
#المحور24
في زمنٍ تتهاوى فيه القيم الجامعة، وتتعالى فيه النعرات الصغيرة، يُطِلّ علينا مصطلح *البرّاني* أو *الوافد*، لا ككلمة عابرة، بل كرمز لانقسام خفيّ يتسلل إلى نسيجنا الاجتماعي، فيجعل من المغربي غريبًا في وطنه، بل في مدينته أو حتى حيّه، فقط لأنه لم يولد هناك، أو لأنه *جاء من مكان آخر*.
– فهل نحن أمام حقيقة مجتمعية يجب تفكيكها؟ أم أمام انزلاق عنصري مرفوض؟
كم هو مؤلم أن يُنعت مواطنٌ مغربي بـ*البرّاني* من طرف أخيه، لا لسببٍ سوى أنه جاء من مدينة أخرى ليستقر، ليستثمر، أو فقط ليعيش!، وكأن المواطنة لم تعد تكفي، وكأنّ *الحق في المكان* صار حكرًا على من ولدوا بالمنطقة الذين يعرّفون أنفسهم بانتماء جغرافي ضيّق، لا يتسع لغيرهم، في بلدٍ لطالما تغنّى بالكرم والتسامح.
يتردد كثيرًا في بعض المناطق مصطلح ولاد البلاد ويُقصد به السكان الأصليون أو المالكون الأولون لأراضي أو أحياء معيّنة، ورغم أن هذا التوصيف يحمل بعدًا قانونيًا في سياقات محددة (كإثباتات الملكية أو نزاعات التحفيظ)، إلا أنه غالبًا ما يُستعمل كسلاح رمزي لإقصاء الآخر، ووسم كل من جاء بعدهم بـ*الوافد* أو *المتطفّل*، حتى وإن كان هذا الآخر مغربيًا قحًّا، يحمل نفس الجنسية، ونفس الهمّ الوطني.
البعض ممن يرفعون شعار *نحن أهل الأرض*، يشعرون في أعماقهم بفقدان المكان، وربما بالندم على التفريط فيه، خاصة إذا تحوّلت أراضي الأجداد إلى مشاريع عقارية أو فضاءات غريبة عن ملامح الذاكرة، لكن هذا لا يُبرر أبدًا أن تتحوّل مشاعر الحنين أو الغبن إلى عدوان رمزي ضد الجار الجديد، الذي اختار السكن أو الاستثمار في منطقة ما.
من الناحية القانونية، لا توجد مادة صريحة في القانون الجنائي المغربي تجرّم استعمال لفظ *براني*، إلا أن هذا لا يعني أن استعماله مُباح دائمًا.
إذا تضمن هذا الوصف تحقيرًا أو تحريضًا على الكراهية أو تمييزًا عنصريًا، فقد يدخل ضمن الجرائم التي يعاقب عليها قانون مكافحة التمييز والكراهية وخطاب العنف،
وبالتالي، فـالسياق والمعنى المقصود هو الفيصل، إذ أن كل تمييز بين المواطنين على أساس الانتماء الجغرافي أو العرقي أو الاجتماعي يُعد مرفوضًا دستوريًا، ويتعارض مع روح المواطنة.
– أين ذهبت قيم أجدادنا الذين كانوا يفتحون بيوتهم للغريب قبل القريب؟
– أين تلاشت تلك الروح المغربية الأصيلة التي كانت ترى في *الوافد* ضيفًا مكرمًا لا متّهمًا؟
ربما هو أثر التحولات السريعة، وتفكك الروابط المجتمعية، وربما هو نتاج عقد نفسية جماعية، لا تزال تنتظر من يعالجها بشجاعة.
كفى من خطاب *نحن وهم*، فكلمة *برّاني* حين تخرج من فم مغربي في حق مغربي آخر، لا تسيء فقط للآخر، بل تهين فكرة الوطن المشترَك، وتنسف مبادئ العيش الجماعي.
نحن بحاجة إلى مصالحة مع ذواتنا، ومع تاريخنا، ومع فكرة المغرب الذي يتسع للجميع، لا إلى تحصينات نفسية مبنية على الجغرافيا والعصبية.
ختاما، ف*البرّاني* الحقيقي هو من يستوطن قلبه الحقد تجاه الآخر، لا من تغيّر عنوان سكنه، والمكان في نهاية المطاف، لا تصنعه الوثائق ولا عقود البيع، بل تصنعه النية الصافية، والتعايش، والاحترام المتبادل.
فلنُعد النظر في المرآة، فقد نكتشف أننا جميعًا *برّانيون* في أعين بعضنا… إلا إذا اخترنا أن نكون مواطنين حقًا.
بقلم : ذ عبد العزيز شطاط