قصة طرد العثماني من المحاضرة بمرتيل: حين يُواجَه الفكر بالبلطجة
#المحور24
في مشهدٍ يعكس التناقض الحاد بين فضاء الجامعة كمكان للحوار والنقاش وبين ممارسات بعض “الطلبة” الخارجين عن هذا الإطار، عرفت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمارتيل صباح يوم المحاضرة التي ألقاها الدكتور سعد الدين العثماني، أجواءً هادئة وطبيعية، إلى أن قرّر بعض المنتمين لما يسمى بـ”النهج القاعدي” استغلال المناسبة لإثارة البلبلة وترويج الأكاذيب.
حلّ الدكتور سعد الدين العثماني، الوزير السابق ورئيس الحكومة الأسبق، ضيفاً على الكلية في نشاط أكاديمي نظّمته شعبة علم النفس الإكلينيكي بشراكة مع دار النشر “الخيام”. ورغم ما راج لاحقاً من مزاعم تتحدث عن “طرده”، فإن الوقائع الحقيقية تفند هذه الرواية. فقد التحق الدكتور العثماني مباشرة بالقاعة التي تقرر احتضان النشاط بها – بعد تغيير القاعة الأولى بقرار من الإدارة – وكان في استقباله السيد العميد ونائبه وطاقم من الأساتذة والطلبة. القاعة امتلأت بالحضور، حتى اضطر البعض للوقوف لعدم توفر المقاعد.
المحاضرة سارت في أجواء راقية ومحترمة، ألقى خلالها العميد كلمة افتتاحية، تلتها مداخلة منسقة الشعبة، ثم كلمة مدير دار النشر، قبل أن يتناول الدكتور العثماني الكلمة لعرضه الذي لاقى تفاعلاً إيجابياً من الحضور. واختُتم اللقاء بتكريم الدكتور تقديراً لعطائه العلمي والسياسي.
بالموازاة مع النشاط، كان بعض المنتمين للنهج القاعدي قد تجمعوا أمام القاعة الأولى التي لم يُنظّم بها النشاط أصلاً، مرددين شعارات مناوئة للإسلاميين، ومناصرين لقضية الطالب الراحل بنعيسى آيت الجيد، كما رفعوا شعارات أخرى تتعلق بالقضية الفلسطينية والاعتقالات السياسية، في محاولة واضحة لتوظيف قضايا عادلة في سياق غير سليم.
المثير في الأمر، كما عاينه شهود عيان، وجود رجل غريب عن الجامعة كان يقف على بعد أمتار يوجّه الوقفة ويوزع التعليمات على الطلبة المحتجين، ما يطرح علامات استفهام حول الخلفيات الحقيقية لما جرى.
عقب انتهاء المحاضرة، وعند مغادرة الدكتور العثماني للكلية، اعترض المحتجون السيارة التي كانت ستقله، وقام بعضهم بالتمدد على الأرض في محاولة لافتعال مشهد “دهس”، وهو ما تم الترويج له لاحقاً زيفاً وبهتاناً. ولتجنب التصعيد، نزل الدكتور من السيارة وغادر الكلية على قدميه، وسط محاولات احتكاك واعتداء عليه وعلى مرافقيه من طرف بعض المحتجين، مما اضطر حراس الكلية للتدخل لتأمين خروجه.
ما حدث يمثل انحداراً خطيراً في مستوى الوعي الطلابي لدى فئة اختارت أن تحوّل الجامعة إلى ساحة لتصفية الحسابات الإيديولوجية بدل أن تكون منبراً للنقاش الحر والتعدد الفكري. هذه الممارسات لا تسيء للدكتور سعد الدين العثماني، بل تسيء أولاً وأخيراً لمن مارسها، ولصورة الجامعة المغربية ككل.
وفي ختام هذا الحدث، وجب التنويه بحفاوة الاستقبال الذي خصّ به عميد الكلية وأطرها الدكتور العثماني، وبتنظيم النشاط الذي مرّ في جوّ علمي راقٍ على الرغم من محاولات التشويش الفاشلة.
القصة ليست “طرد العثماني”، بل قصة احتفاء أكاديمي قابلته قلة مشوشة بأساليب بالية. ويبقى صوت الفكر أقوى من كل الشعارات الجوفاء.