حين يُساء فهم العباقرة…….
حين يُساء فهم العباقرة: السادات، الحسن الثاني، ومحمد السادس… ثلاث محطات ودرس واحد
#المحور24
في عالم تغلب فيه الشعارات على السياسات الواقعية، وتُستبدل فيه الاستراتيجيات بالعواطف، كثيرًا ما يُساء فهم القادة الذين اتخذوا قرارات صعبة ومثيرة للجدل بهدف إنقاذ أو بناء دولهم. من بين هؤلاء يبرز الرئيس المصري الراحل أنور السادات، والملك الراحل الحسن الثاني، والملك محمد السادس، كأمثلة لقادة واجهوا حملات تشويه، رغم أنهم وضعوا أسس الاستقرار في بلدانهم.
أنور السادات: كان أنور السادات رجل دولة من طراز خاص. أدرك، في لحظة تاريخية فارقة، أن الحرب لم تعد الخيار الوحيد، وأن التفاوض لا يعني بالضرورة الاستسلام. بعد أن خاض حرب أكتوبر 1973 بكل شجاعة، اتخذ قرارًا استراتيجيًا بالتفاوض مع إسرائيل، ما أسفر عن معاهدة السلام عام 1979. هذا القرار كلّفه حياته، حيث تم اغتياله في حادثة المنصة الشهيرة يوم 6 أكتوبر 1981.
ورغم الجدل الكبير الذي رافق سياساته، أثبتت السنوات أن خيار السادات كان مبنيًا على قراءة دقيقة لموازين القوى الإقليمية والدولية. بفضل هذا النهج، حافظت مصر على كيانها الوطني، واستطاعت تقوية مؤسساتها، وعلى رأسها الجيش، الذي لعب لاحقًا دورًا محوريًا في حماية الدولة من الانهيار خلال الأزمات السياسية الكبرى، خاصة بعد 2011.
الحسن الثاني: في المغرب، واجه الملك الحسن الثاني تحديات داخلية وخارجية معقدة، تزامنت مع صعود التيارات الاشتراكية والإسلامية الراديكالية في المنطقة. ورغم محاولة بعض القوى فرض أنماط حكم غير واقعية أو مستوردة، أصر الحسن الثاني على التعددية السياسية، واقتصاد السوق، وبناء المؤسسات. وواجه محاولات انقلاب، وخاض معارك إصلاح، وتمكن رغم كل ذلك من الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والمؤسساتي.
عند وفاته عام 1999، ترك وراءه دولة لها مؤسسات قائمة وقادرة على التكيف مع المتغيرات، وهو ما شكّل قاعدة صلبة لمرحلة الإصلاحات الواسعة التي قادها خلفه الملك محمد السادس.
محمد السادس: منذ توليه العرش، واصل الملك محمد السادس نفس النهج القائم على التدرج، الواقعية، والربط بين الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ورغم الضغوط الداخلية والتحديات الخارجية، تمكّن المغرب من الحفاظ على مساره، بفضل سياسة خارجية متوازنة، ورؤية إصلاحية تراعي واقع الدولة وحدود قدراتها.
اليوم، وبعد أكثر من ربع قرن على بداية عهده، يُظهر المغرب قدرة ملحوظة على الاستمرار في بناء مؤسساته، وتفادي سيناريوهات الفوضى أو الاستبداد. ومع ذلك، فإن بعض الأصوات التي تفتقد للخبرة أو تغلب العاطفة على التحليل، تستمر في مهاجمة النظام السياسي دون إدراك لتعقيدات الحكم ومخاطر المرحلة.
التاريخ لا يُحكم عليه فقط من خلال لحظة معينة أو قرار فردي، بل من خلال النتائج الكبرى التي تترتب عليه. السادات، الحسن الثاني، ومحمد السادس، قادة جمعوا بين الواقعية والجرأة، . لكن المحصلة النهائية تُثبت أنهم أنقذوا دولهم من المصير الذي سقطت فيه دول مجاورة، حين غلبت العنتريات على العقلانية.
السياسة ليست شعارات، بل إدارة واقعية للمصالح الوطنية، في توازن دقيق بين الداخل والخارج، بين المبادئ والممكنات.