العدالة والتنمية :رياح التصالح
#المحور24
العدالة والتنمية، الذي خرج من الحكومة وانهزم انتخابيًا بشكل قاسٍ، يعلم أن معركته اليوم ليست فقط مع خصومه السياسيين، بل أيضًا مع ذاته. وإذا كانت المصالحات الجارية تحمل بارقة أمل، فإن اختبارها الحقيقي سيكون في مدى قدرة بنكيران على تجاوز الذات والانفتاح على النقد.
بعد انعقاد مؤتمره الوطني التاسع، حزب العدالة والتنمية يعيش واحدة من أكثر فترات الغموض داخليًا. التصدعات التي خلفتها سنوات التراجع الانتخابي والصراعات الشخصية باتت واضحة، وعبد الإله بنكيران، الأمين العام العائد بقوة، وجد نفسه أمام مهمة مزدوجة: قيادة السفينة وسط أمواج المعارضة… وترميم الشقوق داخل الحزب نفسه.
ما بين الكواليس واللقاءات المغلقة، اشتغلت لجنة غير معلنة تضم شخصيات وازنة من الحزب وحركة التوحيد والإصلاح، بهدف رأب الصدع الذي طال أمده بين بنكيران وعدد من القيادات التي ابتعدت عن الصف، إما بالصمت أو بالاستقالة التامة، كما فعل المصطفى الرميد.
لكن مفاجأة المؤتمر لم تكن فقط في إعادة انتخاب بنكيران، بل في ما بدا أنه بداية تحول في أسلوب الرجل. لقاء عابر مع محمد أمحجور، أحد أبرز خصومه داخل التنظيم، تحول إلى مصافحة تصالحية أثارت اهتمام الحاضرين. بعدها اقترح بنكيران أسماء كانت إلى وقت قريب خارج دائرته، كأمكراز ويتيم، في الأمانة العامة، ما أعطى إشارات ضمنية إلى نيته فتح صفحة جديدة مع رفاق الأمس.
بين الحضور الوازن لأسماء مثل أفتاتي، المقرئ الإدريسي، والعثماني، وعودة آخرين إلى برلمان الحزب رغم غيابهم ، بدا واضحًا أن الجسم التنظيمي للحزب يريد طي صفحة الخلافات الداخلية، والعودة إلى نوع من التماسك السياسي الذي افتقده خلال السنوات الأخيرة.
المؤتمر بدا وكأنه يوجه رسالة مزدوجة: منح الثقة مجددًا لبنكيران، مع دعوته الصريحة للتصالح مع إخوانه. وبنكيران، بخبرته الطويلة، لم يتجاهل الرسالة، بل سارع إلى احتوائها وإظهار انفتاح غير مسبوق، مرددًا أن الحزب “بيت الجميع”، متخليًا – ولو مؤقتًا – عن نبرته الإقصائية التي كانت تختصر الخلاف في مقولة: “أرض الله واسعة”.
لكن إذا كانت المبادرات التصالحية قد حققت تقدمًا مع البعض، فإن الرميد يظل استثناءا صعبًا. الرجل، الذي كان الذراع الحقوقية للحزب ووزيرًا للعدل سابقًا، يبدو مصرًّا على موقفه:
لا عودة دون اعتذار علني من بنكيران عمّا بدر منه.
ووفق مصادر مقربة، فإن الرميد أغلق الباب نهائيًا أمام فكرة العودة إلى السياسة، مفضّلًا الراحة بعد سنوات من العمل المضني وتدهور وضعه الصحي.
وبين من يرى أن عودة الرميد ممكنة بشروط، ومن يعتبر أن خروجه نهائي ولا رجعة فيه، تبقى المساعي قائمة، وسط إدراك عميق لدى قيادة الحزب أن ترميم العلاقة مع الرميد سيكون بمثابة “علامة النصر” للوساطة الداخلية.