من سيحكم غزة؟ بعد تخلي ح.م.ا.س
#المحور24
في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها قطاع غزة، برزت مؤخرًا إشارات متزايدة من قِبل حركة “حماس” حول استعدادها المحتمل للتخلي عن السلطة، ولكن وفق شروط محددة وضمن توافق وطني وإقليمي. ورغم أن هذه التصريحات لم تأتِ بصيغة رسمية، إلا أنها تفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية: هل نحن أمام نهاية حكم حماس لغزة؟ ومن يمكن أن يملأ هذا الفراغ؟ وما دور إسرائيل في رسم ملامح المستقبل؟
تأتي هذه التطورات في سياق مباحثات تقودها مصر وقطر مع كل من حماس وإسرائيل، في محاولة لصياغة اتفاق هدنة طويلة الأمد تتراوح بين خمس إلى سبع سنوات. وتفيد تقارير بأن المقترح المطروح يتضمن انسحابًا تدريجيًا للقوات الإسرائيلية من القطاع، وتشكيل إدارة مدنية محايدة تقودها حكومة تكنوقراط. وقد ألمحت حماس، حسب مصادر مطلعة، إلى استعدادها للقبول بهذا السيناريو، شريطة وجود ضمانات دولية وانسحاب كامل للاحتلال.
لكن هذا الانفتاح الظاهري من حماس لا ينفصل عن السياقات الضاغطة داخليًا وخارجيًا. فمن جهة، يواجه حكم الحركة احتجاجات شعبية غير مسبوقة في غزة تعكس تململاً واسعًا من سياساتها، ومن جهة أخرى، يتزامن ذلك مع مؤشرات على تغيّر محتمل في موقف حلفائها، خاصة إيران، التي قد تعيد النظر في علاقاتها الإقليمية ضمن تفاهمات مع الولايات المتحدة.
عند الحديث عن من يمكنه أن يحكم غزة، تبرز السلطة الوطنية الفلسطينية كخيار منطقي وشرعي، لكنها تواجه معضلات حقيقية. فمنذ انهيار اتفاق الشراكة بين حماس وفتح عام 2007، بقيت غزة تحت سيطرة حماس، بينما تراجعت قدرة السلطة على التأثير الفعلي هناك. واليوم، ومع مطالبات الرئيس محمود عباس لحماس بإلقاء السلاح وتسليم الرهائن، تبدو الهوة بين الطرفين أعمق من أن تُردم بسهولة.
وتشير تحليلات إلى أن إسرائيل، رغم تضررها المباشر من وجود حماس، لا تبدو متحمسة لعودة السلطة الفلسطينية إلى غزة. بل إن بعض الأصوات في الحكومة الإسرائيلية الحالية تذهب أبعد من ذلك، بالدعوة إلى إنشاء مناطق أمنية عازلة أو حتى إعادة بناء مستوطنات داخل القطاع، في ما يعكس عدم وجود رؤية إسرائيلية واضحة تجاه من يحكم غزة بقدر ما تركز على إبقاء الوضع تحت السيطرة الأمنية.
أحد السيناريوهات المطروحة يشير إلى إمكانية تولي حكومة تكنوقراط مستقلة إدارة الشؤون المدنية في غزة، وهي فكرة حظيت بقبول مبدئي من حماس ضمن سياق الهدنة. لكن هذا الطرح يصطدم بسؤال مركزي: من سيضمن الأمن الداخلي في ظل استمرار امتلاك حماس للسلاح؟ وهو ما ترفضه إسرائيل بشكل قاطع.

ويرى مراقبون أن أي تسوية حقيقية لا يمكن أن تنجح دون معالجة ملف سلاح حماس، وهو ما يجعل من التنازل عن السلطة مجرد خطوة شكلية إذا لم يُستكمل بترتيبات أمنية عميقة. وهنا تظهر معضلة التوازن بين تمكين جهة جديدة لحكم غزة وضمان عدم تحولها إلى واجهة فقط لحكم فعلي يبقى في يد حماس.
تكمن المعضلة الأكبر في غياب البدائل الواقعية لحكم القطاع. فالفصائل الفلسطينية الأخرى لا تمتلك القدرة أو الشرعية الشعبية، والسلطة الفلسطينية مكبلة سياسياً، أما المجتمع الدولي فمتردد في الانخراط الفعلي. وإسرائيل، كما يرى محللون، لا ترغب فعلاً بخلق شريك فلسطيني قوي قد يطالب لاحقًا بالحقوق السياسية الأوسع، سواء في غزة أو الضفة.
إن ما تشهده غزة اليوم لا يمكن فصله عن السياق الفلسطيني الأشمل، حيث يغيب المشروع الوطني الجامع وتتباين الرؤى حول أسس الحل. فالمسألة ليست فقط “من يحكم غزة؟”، بل “كيف تُحكم فلسطين؟”، في ظل انقسامات داخلية، وتداخل إقليمي، وانسداد أفق سياسي مزمن.
إن تخلي حماس عن السلطة، إن تحقق، قد يشكل تحوّلًا لافتًا في المشهد، لكنه لن يكون كافيًا ما لم يترافق مع إعادة صياغة شاملة للمنظومة السياسية الفلسطينية، وتوافقات إقليمية ودولية تضمن الاستقرار والعدالة للشعب الفلسطيني.